الحكم المستنصر بالله
الحكم المستنصر بالله ، صاحب الأندلس أبو العاص ابن الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي . بقي في المملكة بعد أبيه ستة عشر عاماً ، وعاش ثلاثاً وستين سنة . وكان حسن السيرة ، مكرماً للقادمين عليه .
جمع من الكتب ما لا يحد ولا يوصف كثرة ونفاسة ، مع العلم والنباهة ، وحسن السيرة وصفاء السريرة . سمع من قاسم بن أصبغ ، وأحمد بن دحيم ، ومحمد بن محمد بن عبد السلام الخشني ، وزكريا بن خطاب ، وأكثر عنه ، وأجاز له ثابت بن قاسم ، وكتب عن خلق كثير سوى هؤلاء . وكان يستجلب المصنفات من الأقاليم والنواحي ، باذلاً فيها ما أمكن من الأموال ، حتى ضاقت عنها خزائنه ، وكان ذا غرام بها ، قد آثر ذلك على لذات الملوك ، فاستوسع علمه ، ودق نظره ، وجمت استفادته .
وكان في المعرفة بالرجال والأنساب والأخبار أحوذياً نسيج وحده . وكان أخوه الأمير عبد الله المعروف بالولد على هذا النمط من محبة العلم ، فقتل في أيام أبيه . وكان الحكم ثقة فيما ينقله .
قال ابن الأبار : هذا وأضعافه فيه . وقال : عجباً لابن الفرضي ، وابن بشكوال كيف لم يذكراه ، كنيته أبو العاص . وولي الأمر في سنة خمسين وثلاثمائة بعد والده ، وقل ما نجد له كتاباً من خزانته إلا وله فيه قراءة أو نظر في أي فن كان ، ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته ، ويأتي من ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده لعنايته بهذا الشأن .
توفي بقصر قرطبة في ثاني صفر ، رحمه الله . وقد شدد في إبطال الخمور في مملكته تشديداً مفرطاً ، ومات بالفالج ، وولي الأمر بعده ابنه المؤيد بالله هشام ، وسنه يومئذ تسع سنين ، وقام بتدبير المملكة الحاجب أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر العامري القحطاني الملقب بالمنصور ، فكان هو الكل .