محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون
محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون ، الإمام أبو سهل الحنفي العجلي الصعلوكي النيسابوري الفقيه الشافعي الأديب اللغوي المتكلم المفسر النحوي الشاعر المفتي الصوفي . حبر زمانه وبقية أقرانه ، هذا قول الحاكم فيه . وقال : ولد سنة ست وتسعين ومائتين ، وأول سماعه سنة خمس وثلاثمائة .
واختلف إلى أبي بكر بن خزيمة ، ثم إلى أبي علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي ، وناظر وبرع ، ثم استدعي إلى أصبهان ، فلما بلغه نعي عمه أبي الطيب ، خرج متخفياً ، فورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ، ثم نقل أهله من أصبهان ، وأفتى ودرس بنيسابور نيفاً وثلاثين سنة . سمع : ابن خزيمة ، وأبا العباس السراج ، وأبا العباس أحمد بن محمد الماسرجسي ، وأبا قريش محمد بن جمعة ، وأحمد بن عمر المحمداباذي ، وبالري أبا محمد بن أبي حاتم ، وببغداد إبراهيم بن عبد الصمد ، وأبا بكر ابن الأنباري ، والمحاملي . وكان يمتنع من التحديث كثيراً إلى سنة خمس وستين ، فأجاب للإملاء .
وقد سمعت أبا بكر بن إسحاق الصبغي غير مرة يعود الأستاذ أبا سهل ويقول : بارك الله فيك لا أصابك العين . وسمعت أبا منصور الفقيه يقول : سئل أبو الوليد الفقيه عن أبي بكر القفال وأبي سهل الصعلوكي أيهما أرجح ؟ فقال : ومن يقدر أن يكون مثل أبي سهل ؟!وقال الفقيه أبو بكر الصيرفي : لم ير أهل خراسان مثل أبي سهل . وقال الصاحب إسماعيل بن عباد : ما رأينا مثل أبي سهل ، ولا رأى مثل نفسه .
وقال الحاكم أبو عبد الله : أبو سهل مفتي البلدة وفقيهها ، وأجدل من رأينا من الشافعيين بخراسان ، ومع ذلك أديب ، شاعر ، نحوي ، كاتب ، عروضي ، محب للفقراء . وقال أبو إسحاق الشيرازي : أبو سهل الصعلوكي الحنفي ، من بني حنيفة ، صاحب أبي إسحاق المروزي ، مات في آخر سنة تسع وستين . وكان فقيهاً ، أديباً ، شاعراً ، متكلماً ، مفسراً ، صوفياً ، كاتباً .
وعنه أخذ ابنه أبو الطيب ، وفقهاء نيسابور . قلت : وهو صاحب وجه ، ومن غرائبه أنه قال : إذا نوى غسل الجنابة والجمعة معاً لا يجزئه لواحد منهما . وقال بوجوب النية لإزالة النجاسة .
وقد نقل الماوردي ، وأبو محمد البغوي الإجماع أنها لا تشترط . وقال أبو العباس النسوي : كان أبو سهل الصعلوكي مقدماً في علم الصوفية ، صحب الشبلي ، وأبا علي الثقفي ، والمرتعش ، وله كلام حسن في التصوف . قلت : مناقبه جمة ، ومنها ما رواه القشيري أنه سمع أبا بكر بن فورك يقول : سئل الأستاذ أبو سهل عن جواز رؤية الله بالعقل ، فقال : الدليل عليه شوق المؤمنين إلى لقائه ، والشوق إرادة مفرطة ، والإرادة لا تتعلق بمحال .
وقال السلمي : سمعت أبا سهل يقول : ما عقدت على شيء قط ، وما كان لي قفل ولا مفتاح ، ولا صررت على فضة ولا ذهب قط . وسمعته يسأل عن التصوف ، فقال : الإعراض من الاعتراض . وسمعته يقول : من قال لشيخه : لم ؟ لا يفلح أبداً .
وقد حضر أبو القاسم النصراباذي وجماعة ، وحضر قوال ، فكان فيما غنى به ، هذا : جعلت تنزهي نظري إليكا فقال النصراباذي : قل : جعلت ، فقال أبو سهل : بل جعلت ، فرأينا النصراباذي ألطف قولاً منه في ذلك ، فرأى ذلك فينا ، فقال : ما لنا وللتفرقة ، أليس عين الجمع أحق ؟ فسكت النصراباذي ومن حضر . وقال لي أبو سهل : أقمت ببغداد سبع سنين ، فما مرت بي جمعة إلا ولي على الشبلي وقفة أو سؤال ، ودخل الشبلي على أبي إسحاق المروزي فرآني عنده ، فقال : ذا المجنون من أصحابك ، لا ، بل من أصحابنا . أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله ابن تاج الأمناء ، قال : أخبرنا محمد بن يوسف الحافظ ، أن زينب بنت أبي القاسم الشعري أخبرته .
( ح ) وأخبرنا أبو الفضل ، أنها كتبت إليه تخبره ، أن إسماعيل بن أبي القاسم أخبرها ، قال : أخبرنا عمر بن أحمد بن مسرور ، قال : حدثنا أبو سهل محمد بن سليمان الحنفي إملاء ، قال : حدثنا أبو قريش الحافظ ، قال : حدثنا يحيى بن سليمان ابن نضلة ، قال : حدثنا مالك ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمن يأكل في معى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء . وبهذا الإسناد إلى ابن مسرور ، قال : أنشدنا أبو سهل لنفسه : أنام على سهو وتبكي الحمائم وليس لها جرم ومني الجرائم كذبت وبيت الله لو كنت عاقلاً لما سبقتني بالبكاء الحمائم وقال الحاكم : سمعت الأستاذ أبا سهل ودفع إليه مسألة ، فقرأها علينا ، وهي : تمنيت شهر الصوم لا لعبادة ولكن رجاء أن أرى ليلة القدر فأدعو إله الناس دعوة عاشق عسى أن يريح العاشقين من الهجر فكتب أبو سهل في الحال : تمنيت ما لو نلته فسد الهوى وحل به للحين قاصمة الظهر فما في الهوى طب ولا لذة سوى معاناة ما فيه يقاسى من الهجر قال الحاكم : توفي أبو سهل في ذي القعدة سنة تسع وستين بنيسابور .