يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن هارون بن داود بن كلس
يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن هارون بن داود بن كلس ، الوزير البغدادي ، أبو الفرج . كان يهودياً خبيثاً ماكراً فطناً داهية . سافر ونزل الرملة ، وصار بها وكيلاً ، فكسر أموال التجار ، وهرب إلى مصر ، ثم توصل ، وجرت له أمور ، فرأى منه كافور الإخشيدي فطنة وسياسة ، وطمع هو في التقدم ، فأسلم في يوم جمعة ، فقصده الوزير ابن حنزابة لما فهم مرامه ، فهرب إلى المغرب ، واتصل بيهود كانوا في خدمة المعز ، فعظم شأنه ، ونفق على المعز ، وجاء معه إلى مصر ، فلما ولي العزيز ، استوزره سنة خمس وستين ، وبقي وزيره إلى أن هلك ، وهو وزير ، في هذه السنة في ذي القعدة ، وله اثنتان وستون سنة .
وكان عالي الهمة وافر الهيبة ، عاده في مرضه العزيز وقال له : يا يعقوب وددت أن تباع فأشتريك بملكي ، فهل من حاجة؟ فبكى وقبل يده ، وقال : أما لنفسي فلا يحتاج مولاي وصية ، ولكن فيما يتعلق بك : سالم الروم ما سالموك ، واقنع من بني حمدان بالدعوة والشكر ، ولا تبق على المفرج بن دغفل متى أمكنت فيه الفرصة ، فأمر به العزيز ، فدفن في القصر ، في قبة بناها العزيز لنفسه ، وصلى عليه ، وألحده بيده ، وتأسف عليه ، وهذه المنزلة ما نالها وزير قط من مخدومه . وقيل إنه حسن إسلامه ، وقرأ القرآن والنحو ، وكان يجمع عنده العلماء وتقرأ عليه مصنفاته ليلة الجمعة ، وله إقبال زائد على العلوم على اختلافها ، وقد مدحه عدة شعراء ، وكان كريماً جواداً . ومن تصانيفه كتاب في الفقه مما سمعه من المعز والعزيز ، وجلس سنة تسع وستين مجلساً في رمضان ، فقرأ فيه الكتاب بنفسه ، وسمعه خلائق ، وجلس جماعة في الجامع العتيق يفتون من هذا الكتاب .
قلت : هذا الكتاب يريد يكون على مذهب الرافضة ، فإن القوم رافضة في الظاهر ملحدة في الباطن . وقد اعتقله العزيز شهوراً في أثناء سنة ثلاث وسبعين ، ثم رضي عنه ، ورده إلى الوزارة . وكان إقطاعه من العزيز في العام مائتي ألف دينار .
ومات ، فوجد له من المماليك والعبيد أربعة آلاف غلام إلى أشباه ذلك : ويقال : إنه كفن وحنط بما قيمته عشرة آلاف دينار . وقيل : إن العزيز بكى عليه ، وقال : واطول أسفي عليك يا وزير . ويقال : إنه رثاه مائة شاعر ، فأخذت قصائدهم وأجيزوا ، والأصح أنه حسن إسلامه .