سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة
390 هـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾( الحوادث ) سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة . فيها قبضوا على الطائع لله في داره ، في تاسع عشر شعبان ؛ وسببه أن أبا الحسن ابن المعلم كان من خواص بهاء الدولة ، فحبس ، فجاء بهاء الدولة وقد جلس الطائع لله في الرواق متقلداً سيفاً ، فلما قرب بهاء الدولة قبل الأرض وجلس على كرسي ، وتقدم أصحاب بهاء الدولة فجذبوا الطائع بحمائل سيفه من سريره ، وتكاثر عليه الديلم ، فلفوه في كساء وحمل في زبزب ، وأصعد إلى دار المملكة ، وشاش البلد ، وقدر أكثر الجند أن القبض على بهاء الدولة ، فوقعوا في النهب وشلح من حضر من الأشراف والعدول ، وقبض على الرئيس علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان في جماعة ، وصودروا ، واحتيط على الخزائن والخدم ، ورجع بهاء الدولة إلى داره . وأظهر أمر القادر بالله ، وأنه الخليفة ، ونودي له في الأسواق .
وكتب على الطائع كتاباً بخلع نفسه ، وأنه سلم الأمر إلى القادر بالله ، وشهد عليه الأكابر والأشراف . ونفذ إلى القادر المكتوب ، وحثه على القدوم . وشغب الديلم والترك يطالبون برسم البيعة ، وبرزوا إلى ظاهر بغداد ، وترددت الرسل منهم إلى بهاء الدولة ، ومنعوا من الخطبة للقادر ، ثم أرضوهم ، فسكنوا ، وأقيمت الخطبة للقادر في الجمعة الآتية ، وهي ثالث رمضان ، وحول من دار الخلافة جميع ما فيها ، حتى الخشب الساج والرخام ، ثم أبيحت للخاصة والعامة ، وقلعت أبوابها وشبابيكها .
وجهز مهذب الدولة علي بن نصر القادر بالله من البطائح وحمل إليه من الآلات والفرش ما أمكنه ، وأعطاه طياراً كان عمله لنفسه ، وشيعه فلما وصل إلى واسط اجتمع الجند وطالبوه بالبيعة ، وجرت لهم خطوب ، انتهت إلى أن وعدهم بإجرائهم مجرى البغداديين ، فرضوا ، وساروا ، وكان مقامه بالبطيحة منذ يوم حصل فيها إلى أن خرج عنها سنتين وأحد عشر شهراً ، وقيل : سنتين وأربعة أشهر ، عند أميرها مهذب الدولة . قال هلال بن المحسن : وجدت الكتاب الذي كتبه القادر بالله : من عبد الله أحمد الإمام القادر بالله أمير المؤمنين ، إلى بهاء الدولة وضياء الملة أبي نصر ابن عضد الدولة ، مولى أمير المؤمنين ، سلام عليك ، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ، أما بعد ، أطال الله بقاءك ، وأدام عزك وتأييدك ، وأحسن إمتاع أمير المؤمنين بك ، فإن كتابك الوارد في صحبة الحسن بن محمد ، رعاه الله ، عرض على أمير المؤمنين تالياً لما تقدمه ، وشافعاً ما سبقه ، ومتضمناً مثل ما حواه الكتاب قبله ، من إجماع المسلمين قبلك بمشهد منك ، على خلع العاصي المتلقب بالطائع عن الإمامة ، ونزعه عن الخلافة ، لبوائقه المستمرة ، وسوء نيته المدخولة ، وإشهاده على نفسه بعجزه ، ونكوله وإبرائه الكافة من بيعته ، وانشراح صدور الناس لبيعة أمير المؤمنين . ووقف أمير المؤمنين على ذلك كله ، ووجدك ، أدام الله تأييدك ، قد انفردت بهذه المآثر ، واستحققت بها من الله جليل الأثرة ، ومن أمير المؤمنين سني المنزلة ، وعلي المرتبة .
وفيه : فقد أصبحت سيف أمير المؤمنين المبير لأعدائه ، والحاظي دون غيرك بجميل رأيه ، والمستبد بحماية حوزته ورعاية رعيته ، والسفارة بينه وبين ودائع الله عنده في بريته ، وقد برزت راية أمير المؤمنين عن موضع الصليق متوجهه نحو سريره الذي حرسته ، ومستقر عزه الذي شيدته ، ودار مملكته التي أنت عمادها . إلى أن قال : فواصل حضرة أمير المؤمنين بالإنهاء والمطالعة ، إن شاء الله ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . وكتب لثالثة تبقى من شعبان .
واسم القادر : أحمد بن إسحاق ابن المقتدر ، أبو العباس ، وأمه تمني مولاة عبد الواحد ابن المقتدر . ولد سنة ست وثلاثين وثلاث مائة ، وكان حسن الطريقة ، كثير المعروف ، فيه دين وخير . فوصل إلى جبل في عاشر رمضان ، وجلس من الغد جلوساً عاماً ، وهنئ ، وأنشد بين يديه الشعراء ، فمن ذلك قول الرضي الشريف: شرف الخلافة يا بني العباس اليوم جدده أبو العباس ذا الطود بقاه الزمان ذخيرة من ذلك الجبل العظيم الراسي وحمل إلى القادر بعض الآلات المأخوذة من الطائع ، واستكتب له أبو الفضل محمد بن أحمد ابن عارض الديلم ، وجعل استداره عبد الواحد بن الحسن الشيرازي .
وفي شوال عقد مجلس عظيم ، وحلف القادر وبهاء الدولة كل منهما لصاحبه بالوفاء ، وقلده القادر ما وراء بابه ، مما تقام فيه الدعوة . وكان القادر أبيض ، حسن الجسم ، كث اللحية ، طويلها ، يخضب . وصفه الخطيب البغدادي بهذا ، وقال : كان من الديانة والستر وإدامة التهجد ، وكثرة الصدقات ، على صفة اشتهرت عنه ، وقد صنف كتاباً في الأصول ، ذكر فيه فضائل الصحابة وإكفار المعتزلة ، والقائلين بخلق القرآن .
وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني أن القادر كان يلبس زي العوام ، ويقصد الأماكن المعروفة بالخير والبركة ، كقبر معروف وغيره . وطلب من ابن القزويني الزاهد أن ينفذ له من طعامه الذي يأكله ، فأنفذ إليه باذنجان مقلواً بخل وباقلاء ودبس وخبز بيتي ، وشده في مئزره ، فأكل منه ، وفرق الباقي ، وبعث إلى ابن القزويني مائتي دينار ، فقبلها . ثم بعد أيام طلب منه طعاماً ، فأنفذ إليه طبقاً جديداً ، وفيها زبادي فيها فراريج وفالوذج ، ودجاجة مشوية وفالوذجة ، فتعجب الخليفة ، وأرسل إليه يكلمه في ذلك ، فقال : ما تكلفت ، لما وسع علي وسعت على نفسي ، فتعجب من عقله ودينه .
ولم يزل يواصله بالعطاء . وفي ذي الحجة ، يوم عيد الغدير جرت فتنة بين الرافضة وأهل باب البصرة ، واستظهر أهل باب البصرة ، وخرقوا أعلام السلطنة ، فقتل يومئذ جماعة اتهموا بفعل ذلك ، وصلبوا ، فقامت الهيبة ، وارتدع المفسد . وفيها حج بالناس من العراق أبو الحسن محمد بن الحسين بن يحيى العلوي ، وكان أمير مكة الحسن بن جعفر أبو الفتوح العلوي ، فاتفق أن أبا القاسم ابن المغربي حصل عند حسان بن المفرج بن الجراح الطائي ، فحمله على مباينة صاحب مصر ، وقال : لا مغمز في نسب أبي الفتوح ، والصواب أن ننصبه إماماً ، فوافقه ، فمضى ابن المغربي إلى مكة ، فأطمع صاحب مكة في الخلافة ، وسهل عليه الأمر ، فأصغى إلى قوله ، وبايعه شيوخ الحسنيين ، وحسن له أبو القاسم ابن المغربي أخذ ما على الكعبة من فضة وضربه دراهم .
واتفق موت رجل بجدة معه أموال عظيمة وودائع ، فأوصى منها بمائة ألف دينار لأبي الفتوح صاحب مكة ليصون بها تركته والودائع ، فاستولى على ذلك كله ، فخطب لنفسه ، وتسمى بالراشد بالله ، وسار لاحقاً بآل الجراح الطائي . فلما قرب من الرملة ، تلقته العرب ، وقبلوا الأرض ، وسلموا عليه بالخلافة ، وكان متقلداً سيفاً زعم أنه ذو الفقار وفي يده قضيب ، ذكر أنه قضيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحوله جماعة من بني عمه ، وبين يديه ألف عبد أسود ، فنزل الرملة ، ونادى بإقامة العدل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فانزعج صاحب مصر ، وكتب إلى حسان الطائي ملطفاً ، وبذل له أموالاً جزيلة ، وكتب إلى ابن عم أبي الفتوح ، فولاه الحرمين ، وأنفذ له ولشيوخ بني حسن أموالاً ، فقيل إنه بعث إلى حسان بخمسين ألف دينار مع والدة حسان ، وأهدى له جارية جهزها بمال عظيم ، فأذعن بالطاعة ، وعرف أبو الفتوح الحال ، فضعف وركب إلى أبي حسان المفرج الطائي مستجيراً به فأجاره ، وكتب فيه إلى العزيز ، فرده إلى مكة . وفيها استولى بزال على دمشق وهزم متوليها منيراً وفرق جمعه .
وفيها أقبل بسيل طاغية الروم في جيوشه ، فأخذ حمص ونهبها ، وسار إلى شيزر فنهبها ، ثم نازل طرابلس مدة ، ثم رجع إلى بلاده .