علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود
علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله ، أبو الحسن البغدادي الدارقطني ، الحافظ المشهور صاحب المصنفات . سمع من أبي القاسم البغوي ، وأبي بكر بن أبي داود ، وابن صاعد ، ومحمد بن إبراهيم بن نيروز ، ومحمد بن هارون الحضرمي ، وعلي بن عبد الله بن مبشر الواسطي ، ومحمد بن قاسم المحاربي ، وأبي علي محمد بن سليمان المالكي ، وأبي عمر محمد بن يوسف القاضي والقاسم والحسين ابني المحاملي ، وأبي بكر بن زياد النيسابوري ، وأبي روق الهزاني ، وبدر بن الهيثم ، وأحمد بن إسحاق بن البهلول ، وعبد الوهاب بن أبي حية ، وأحمد بن القاسم الفرائضي ، وأبي طالب أحمد بن نصر الحافظ ، وخلق كثير ببغداد ، والكوفة ، والبصرة ، وواسط . ورحل في الكهولة إلى الشام ومصر ، فسمع القاضي أبا الطاهر الذهلي وهذه الطبقة .
حدث عنه أبو حامد الإسفراييني الفقيه ، وأبو عبد الله الحاكم ، وعبد الغني بن سعيد المصري ، وتمام الرازي ، وأبو بكر البرقاني ، وأبو ذر عبد بن أحمد ، وأبو نعيم ، وأحمد بن الحسن الطيان الدمشقي ، وعلي ابن السمسار ، وأبو محمد الخلال ، وأبو القاسم التنوخي ، وأبو طاهر بن عبد الرحيم الكاتب ، والقاضي أبو الطيب الطبري ، وأبو بكر بن بشران ، وأبو الحسن العتيقي ، وحمزة السهمي ، وأبو الغنائم عبد الصمد بن المأمون ، وأبو محمد الجوهري ، وأبو الحسين محمد ابن المهتدي بالله ، وأبو الحسين ابن الآبنوسي ، وخلق كثير . ومولده سنة ست وثلاث مائة . قال الحاكم : صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع ، وإماماً في القراء والنحويين .
وفي سنة سبع وستين أقمت ببغداد أربعة أشهر ، وكثر اجتماعنا بالليل والنهار ، فصادفته فوق ما وصف لي ، وسألته عن العلل والشيوخ ، وله مصنفات يطول ذكرها ، وأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله . وقال الخطيب : كان الدارقطني فريد عصره ، وقريع دهره ، ونسيج وحده ، وإمام وقته ، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال ، مع الصدق والثقة ، وصحة الاعتقاد ، والاضطلاع من علوم ، سوى علم الحديث ، منها القراءات ، فإن له فيها مصنفاً مختصراً ، جمع الأصول في أبواب عقدها في أول الكتاب ، وسمعت من يعتني بالقراءات يقول : لم يسبق أبو الحسن إلى طريقته التي سلكها في عقد الأبواب المقدمة في أول القراءات ، وصار القراء بعده يسلكون ذلك ، ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء ، فإن كتابه السنن يدل على ذلك . وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري ، وقيل على غيره .
ومنها المعرفة بالأدب والشعر ، فقيل : إنه كان يحفظ دواوين جماعة ، فحدثني حمزة بن محمد بن طاهر أنه كان يحفظ ديوان السيد الحميري ، ولهذا نسب إلى التشيع . وحدثني الأزهري قال : بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار ، فجلس ينسخ جزءاً ، والصفار يملي ، فقال رجل : لا يصح سماعك وأنت تنسخ ، فقال الدارقطني : فهمي للإملاء خلاف فهمك ، تحفظ كم أملى الشيخ . قال : لا .
قال : أملى ثمانية عشر حديثاً ، الحديث الأول عن فلان عن فلان ومتنه كذا ، والحديث الثاني عن فلان عن فلان ، ومتنه كذا ، ثم مر في ذلك حتى أتى على الأحاديث ، فتعجب الناس منه ، أو كما قال . وقال رجاء بن محمد المعدل : قلت للدارقطني : رأيت مثل نفسك؟ فقال : قال الله تعالى : فلا تزكوا أنفسكم فألححت عليه ، فقال : لم أر أحداً جمع ما جمعت . وقال أبو ذر عبد بن أحمد : قلت للحاكم ابن البيع : هل رأيت مثل الدارقطني؟ فقال : هو لم ير مثل نفسه ، فكيف أنا؟ رواها الخطيب في تاريخه عن أبي الوليد الباجي ، عن أبي ذر ، فهذا من رواية الكبار عن الصغار .
وكان عبد الغني المصري إذا حكى عن الدارقطني يقول : قال أستاذي . وقال الخطيب : سمعت أبا الطيب الطبري يقول : الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث . وقال الخطيب : قال لي الأزهري : كان الدارقطني ذكياً ، إذا ذكر شيئاً من العلم أي نوع كان وجد عنده منه نصيب وافر .
ولقد حدثني محمد بن طلحة النعالي أنه حضر مع الدارقطني دعوة ، فجرى ذكر الأكلة ، فاندفع الدارقطني يورد أخبار الأكلة ونوادرهم ، حتى قطع أكثر ليلته بذلك . وقال الأزهري : رأيت الدارقطني أجاب ابن أبي الفوارس عن علة حديث أو اسم ، ثم قال له : يا أبا الفتح ليس بين الشرق والغرب من يعرف هذا غيري . وقال البرقاني : كان الدارقطني يملي علي العلل من حفظه .
قلت : وهذا شيء مدهش كونه كان يملي العلل من حفظه ، فمن أراد أن يعرف قدر ذلك ، فليطالع كتاب العلل للدارقطني ، ليعرف كيف كان الحفاظ . قال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت الدارقطني يقول : ما في الدنيا شيء أبغض إلي من الكلام . ونقل ابن طاهر المقدسي أنهم اختلفوا ببغداد فقال قوم : عثمان أفضل ، وقال قوم : علي أفضل .
قال الدارقطني : فتحاكموا إلي ، فأمسكت ، وقلت الإمساك خير ، ثم لم أر لديني السكوت ، فدعوت الذي جاءني مستفتياً ، وقلت : قل لهم : عثمان أفضل باتفاق جماعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا قول أهل السنة ، وأول عقد يحل من الرفض . قال الخطيب : فسألت البرقاني : هل كان أبو الحسن يملي عليك العلل من حفظه؟ قال : نعم ، وأنا الذي جمعتها ، وقرأها الناس من نسختي . ثم قال الخطيب : وحدثني العتيقي ، قال : حضرت الدارقطني ، وجاءه أبو الحسين البيضاوي بغريب ليسمع منه ، فامتنع واعتل ببعض العلل ، فقال : هذا رجل غريب ، وسأله أن يملي عليه أحاديث ، فأملى عليه أبو الحسن من حفظه مجلساً تزيد أحاديثه على العشرين متون جميعها : نعم الشيء الهدية أمام الحاجة فانصرف الرجل ، ثم جاءه بعد ، وقد أهدى له شيئاً ، فقربه وأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثاً متون جميعها إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه .
وقال محمد بن طاهر المقدسي : كان للدارقطني مذهب في التدليس خفي ، يقول فيما لم يسمعه من أبي القاسم البغوي : قرئ على أبي القاسم البغوي : حدثكم فلان . قلت : وأخذ الدارقطني عن أبي بكر بن مجاهد سماعاً ، وقرأ على أبي بكر النقاش ، وعلي بن سعيد القزاز ، وأحمد بن بويان ، وأحمد بن محمد الديباجي ، وبرع في القراءات ، وتصدر في آخر أيامه للإقراء . وقد نقلت من خطه حديثاً ، والجزء بوقف الضيائية .
ووقع لي حديثه عالياً بالإجازة ، وقد أنبأنا المسلم بن علان أن أبا اليمن الكندي أخبرهم ، قال: أخبرنا أبو منصور الشيباني ، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب ، قال : حدثني أبو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا ، قال : رأيت في المنام في شهر رمضان كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة ما آل إليه أمره؟ فقيل لي : ذاك يدعى في الجنة الإمام . قلت : توفي في ثامن ذي القعدة .