حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عبيس

محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عبيس ، الإمام أبو الحسين بن سمعون البغدادي الواعظ . سمع أبا بكر بن أبي داود ، ومحمد بن مخلد العطار ، وأبا جعفر بن البختري ، وبدمشق أحمد بن سليمان بن زبان ، ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة وجماعة ، وأملى عنهم . روى عنه أبو عبد الرحمن السلمي ، وعلي بن طلحة المقرئ ، والحسن بن محمد الخلال ، وأبو طالب العشاري ، وأبو الحسين ابن الآبنوسي ، وخديجة بنت محمد الشاهجانية الواعظة ، وأبو بكر أحمد بن محمد بن حمدوه الحنبلي ، وآخرون .

قال السلمي : هو من مشايخ البغداديين ، له لسان عال في هذه العلوم لا ينتمي إلى أستاذ ، وهو لسان الوقت والمرجوع إليه في آداب المعاملات ، يرجع إلى فنون من العلم . وقال الخطيب : كان أوحد دهره وفرد عصره في الكلام على علم الخواطر والإشارات ، ولسان الوعظ ، دون الناس حكمه وجمعوا كلامه ، وكان بعض شيوخنا إذا حدث عنه ، قال : حدثنا الشيخ الجليل المنطق بالحكمة . قلت : وولد سنة ثلاثمائة .

وسمعون ، هو إسماعيل جده . أنبؤونا عن القاسم بن علي ، أن نصر الله الفقيه أخبرهم : قال: أخبرنا أبو الفتح نصر بن إبراهيم ، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الواحد الزعفراني ، قال: حدثني أبو محمد السني صاحب أبي الحسين بن سمعون ، قال : كان ابن سمعون في أول أمره ينسخ بالأجرة ، وينفق على نفسه وأمه ، فقال لها يوماً : أحب أن أحج ، قالت : وكيف يمكنك؟ فغلب عليها النوم ، فنامت وانتبهت بعد ساعة ، وقالت : يا ولدي حج ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم يقول : دعيه يحج فإن الخير له في حجه . ففرح وباع دفاتره ، ودفع إليها من ثمنها ، وخرج مع الوفد ، فأخذت العرب الوفد ، قال : فبقيت عرياناً ، ووجدت مع رجل عباءة ، فقلت : هبها لي أستتر بها، فأعطانيها ، قال : فجعلت إذا غلب علي الجوع ووجدت قوماً من الحجاج يأكلون ، وقفت أنظر إليهم ، فيدفعون إلي كسرةً فأقتنع بها ، وأحرمت في العباءة ، ورجعت إلى بغداد ، وكان الخليفة قد حرم جارية وأراد إخراجها من الدار ، قال أبو محمد السني : فقال الخليفة : اطلبوا رجلاً مستوراً يصلح .

فقال بعضهم : قد جاء ابن سمعون من الحج ، فاستصوب الخليفة قوله ، فزوجه بها ، فكان ابن سمعون يجلس على الكرسي فيعظ ويقول : خرجت حاجاً ، ويشرح حاله ، وها أنا اليوم علي من الثياب ما ترون . قال البرقاني : قلت له يوماً : تدعو الناس إلى الزهد وتلبس أحسن الثياب ، وتأكل أطيب الطعام ، فكيف هذا ؟ فقال : كل ما يصلحك لله فافعله ، إذا صلح حالك مع الله . وقال الخلال : قال لي ابن سمعون : ما اسمك ؟ قلت : حسن .

قال : قد أعطاك الله الاسم ، فسله المعنى . وجرت لابن سمعون قصة في سنة بضع وستين وثلاثمائة . رواها قاضي المارستان عن القضاعي بالإجازة ، قال : حدثنا علي بن نصر بن الصباح ، قال: حدثنا أبو الثناء شكر العضدي ، قال : لما دخل عضد الدولة بغداد ، وقد هلك أهلها قتلاً وحرقا وجوعاً ، للفتن التي اتصلت فيها بين الشيعة والسنة ، فقال : آفة هؤلاء القصاص ، فنادى : لا يقص أحد في الجامع ولا الطرق ولا يتوسل متوسل بأحد من الصحابة ، ومن أحب التوسل قرأ القرآن ، فمن خالف فقد أباح دمه ، فوقع في الخبر أن ابن سمعون جلس على كرسيه بجامع المنصور ، فأمرني أن أطلبه ، فأحضر ، فدخل علي رجل له هيئة وعليه نور ، فلم أملك أن قمت له ، وأجلسته إلى جنبي ، فجلس غير مكترث ، فقلت : إن هذا الملك جبار عظيم ، وما أؤثر لك مخالفة أمره ، وإني موصلك إليه ، فقبل الأرض وتلطف له ، واستعن بالله عليه ، فقال : الخلق والأمر لله .

فمضيت به إلى حجرة ، قد جلس فيها وحده ، فأوقفته ، ثم دخلت لأستأذن ، فإذا هو إلى جانبي قد حول وجهه إلى نحو دار عز الدولة ، ثم استفتح وقرأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ قال : ثم حول وجهه وقرأ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فأخذ في وعظه فأتى بالعجب ، فدمعت عين الملك ، وما رأيت ذلك منه قط ، وترك كمه على وجهه ، فلما خرج أبو الحسين قال الملك : اذهب إليه بثلاثة آلاف درهم ، وعشرة أثواب من الخزانة ، فإن امتنع فقل له : فرقها في أصحابك ، وإن قبلها ، فجئني برأسه . ففعلت ، فقال : إن ثيابي هذه فصلت من نحو أربعين سنة ، ألبسها يوم خروجي إلى الناس ، وأطويها عند رجوعي ، وفيها متعة وبقية ما بقيت ، ونفقتي من أجرة دار خلفها أبي ، فما أصنع بهذا ؟ فقلت : فرقها على أصحابك ، فقال : ما في أصحابي فقير ، فعدت فأخبرته ، فقال : الحمد لله الذي سلمه منا وسلمنا منه . وقال أبو سعيد النقاش : كان ابن سمعون يرجع إلى علم القرآن ، وعلم الظاهر ، متمسكاً بالكتاب والسنة ، لقيته وحضرت مجلسه ، سمعته يسأل عن قوله : أنا جليس من ذكرني ، قال : أنا صائنه عن المعصية ، أنا معه حيث يذكرني ، أنا معينه .

وقال السلمي : سمعت ابن سمعون ، وسئل عن التصوف ، فقال : أما الاسم فترك الدنيا وأهلها ، وأما حقيقة التصوف فنسيان الدنيا ونسيان أهلها . وسمعته يقول : أحق الناس يوم القيامة بالخسارة أهل الدعاوى والإشارة . وقال أبو النجيب الأرموي : سألت أبا ذر هل اتهمت ابن سمعون بشيء ؟ فقال : بلغني أنه روى جزءاً عن أبي بكر بن أبي داود ، كان عليه .

مكتوب : وأبو الحسين ابن سمعون ، وكان رجلاً ، آخر سواه ، لأنه كان صبياً ، ما كانوا يكنونه في ذلك الوقت ، وسماعه من غيره صحيح . قال أبو ذر : وكان القاضي أبو بكر الأشعري وأبو حامد يقبلان يد ابن سمعون إذا جاءاه ، وكان القاضي أبو بكر يقول : ربما خفي علي من كلامه بعض الشيء لدقته . وقال السلمي : سمعته يقول في وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً قال : مواعيد الأحبة وإن اختلفت ، فإنها تؤنس ، كنا صبياناً ندور على الشط ونقول: ماطليني وسوفي وعديني ولا تفي واتركيني مولهاً أو تجودي وتعطفي قال الخطيب : حدثنا محمد بن محمد الطاهري : قال : سمعت ابن سمعون يذكر أنه أتى بيت المقدس ومعه تمر ، فطالبته نفسه برطب ، فلامها ، فعمد إلى التمر وقت إفطاره فوجده رطباً ، فلم يأكل منه وتركه ، فلما كان ثاني ليلة وجده تمراً .

وقال الخطيب : سمعت أحمد بن علي البادا ، قال: سمعت أبا الفتح القواس يقول : لحقتني إضاقة ، فأخذت قوساً وخفين ، وعزمت على بيعهما ، فقلت : أحضر مجلس ابن سمعون ، ثم أبيعهما ، فحضرت ، فلما فرغ ناداني : يا أبا الفتح لا تبع الخفين والقوس ، فإن الله سيأتيك برزق ، أو كما قال . وقال الخطيب : حدثني شرف الوزراء أبو القاسم علي بن الحسن ، قال : حدثني أبو طاهر محمد بن علي ابن العلاف ، قال : حضرت أبا الحسين يوماً وهو يعظ ، وأبو الفتح القواس إلى جنب الكرسي ، فنعس ، فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة ، حتى استيقظ أبو الفتح ، ورفع رأسه ، فقال له أبو الحسين : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومك ؟ قال : نعم . فقال : لذلك أمسكت خوفاً أن تنزعج .

وقال الخطيب : حدثني رئيس الرؤساء الوزير ، قال: حدثنا أبو علي بن أبي موسى الهاشمي ، قال : حكى لي مولى الطائع لله أن الطائع أمره فأحضر ابن سمعون ، فرأيت الطائع غضباناً ، وكان ذا حدة ، فأحضرت ابن سمعون ، فأذن له الطائع في الدخول ، فدخل وسلم بالخلافة ، ثم أخذ في وعظه ، فقال : روي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، ثم روى عن أمير المؤمنين وترضى عنه ، ووعظ حتى بكى الطائع ، وسمع شهيقه ، وابتل منديل من دموعه ، فلما انصرف ، سألت االطائع عن سبب طلبه ، فقال : رفع إلي أنه ينتقص علياً رضي الله عنه ، فأردت أقابله ، فلما حضر افتتح بذكر علي والصلاة عليه ، وأعاد وأبدى في ذكره ، فعلمت أنه وفق ، ولعله كوشف بذلك . قال العتيقي : توفي ابن سمعون ، وكان ثقة مأمونا ، في نصف ذي القعدة . قال الخطيب : ونقل سنة ست وعشرين وأربعمائة من داره ، فدفن بباب حرب ، ولم تكن أكفانه بليت فيما قيل .

موقع حَـدِيث