جعفر بن الفضل بن جعفر
جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات ، الوزير المحدث ، أبو الفضل ابن الوزير أبي الفتح بن حنزابة البغدادي ، نزيل مصر . وزر أبوه للمقتدر في السنة التي قتل المقتدر فيها ، وتقلد أبو الفضل وزارة صاحب مصر كافور ، وحدث عن محمد بن هارون الحضرمي ، والحسن بن محمد الداركي الأصبهاني ، ومحمد بن زهير الأبلي ، ومحمد بن حمزة بن عمارة ، وأبي بكر محمد بن جعفر الخرائطي ، ومحمد بن سعيد الحمصي ، وجماعة . قال الخطيب : وكان يذكر أنه سمع من أبي القاسم البغوي مجلسا ، ولم يكن عنده ، فكان يقول : من جاءني به أغنيته .
وكان يملي الحديث بمصر ، وبسببه خرج الدارقطني إلى هناك ، فإن ابن حنزابة كان يريد أن يصنف مسندا ، فخرج أبو الحسن الدارقطني إلى مصر ، وأقام عنده مدة ، وحصل له منه مال كثير ، وروى عنه الدارقطني أحاديث . ولد ابن حنزابة في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثمائة ، وتوفي في ثالث عشر ربيع الأول . ومن شعره: من أخمل النفس أحياها وروحها ولم يبت طاويا منها على ضجر إن الرياح إذا اشتدت عواصفها فليس ترمي سوى العالي من الشجر وقال السلفي : كان أبو الفضل بن حنزابة من الحفاظ الثقات المتبجحين بصحبة أصحاب الحديث ، مع جلالة ورياسة ، يروي ويملي بمصر في حال وزارته ، ولا يختار على العلم وصحبة أهله شيئا ، وعندي من أماليه فوائد ، ومن كلامه على الحديث وتصرفه الدال على حدة فهمه ووفور علمه ، وقد روى عنه حمزة الكناني الحافظ مع تقدمه .
وقال غير السفلي : إن ابن حنزابة بعد موت كافور ، وزر لأبي الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد ، فقبض على جماعة من أرباب الدولة وصادرهم ، وصادر يعقوب بن كلس ، وأخذ منه أربعة آلاف دينار ، فهرب إلى المغرب ، وآل أمره إلى أن وزر لبني عبيد . ثم إن ابن حنزابة لم يقدر على رضى الإخشيدية ، واضطربت عليه الأحوال ، فاختفى مرتين ونهبت داره . ثم قدم أمير الرملة أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج وغلب على الأمور ، فصادر الوزير ابن حنزابة وعذبه ، فنزح إلى الشام في سنة ثمان وخمسين ، ثم بعد ذلك رجع إلى مصر .
وممن روى عنه الحافظ عبد الغني بن سعيد . وقال الحسن بن أحمد بن صالح السبيعي : قدم علينا الوزير جعفر بن الفضل إلى حلب ، فتلقاه الناس ، فكنت فيهم ، فعرف أني محدث ، فقال لي : تعرف إسنادا فيه أربعة من الصحابة ، كل واحد يروي عن صاحبه ؟ قلت : نعم ، وذكرت له حديث السائب بن يزيد ، عن حويطب بن عبد العزى ، عن عبد الله بن السعدي ، عن عمر رضي الله عنهم في العمالة ، فعرف لي ذلك ، وصار لي به عنده منزلة . وقيل : إن الوزير ابن حنزابة كان يستعمل له الكاغد بسمرقند ، ويحمل إلى مصر في كل سنة ، وكان عنده عدة نساخ .
وقال عبد الله بن يوسف : حضرت عند أبي الحسين ابن المهلبي بالقاهرة ، فقال : كنت منذ أيام حاضرا في دار الوزير أبي الفرج بن كلس ، فدخل عليه أبو العباس بن الوزير أبي الفضل بن حنزابة ، وكان قد زوجه ابنته ، وأكرمه وأجله ، وقال له : يا أبا العباس ، يا سيدي ، ما أنا بأجل من أبيك ، ولا بأفضل ، أتدري ما أقعد أباك خلف الناس ، شيل أنفه بأبيه ، يا أبا العباس لا تشل أنفك بأبيك ، تدري ما الإقبال ؟ نشاط وتواضع ، وتدري ما الإدبار ؟ كسل وترافع . وقال غيره : كان الوزير أبو الفضل يفطر وينام نومة ثم ينهض في الليل فيتوضأ ويدخل بيت مصلاه ، فيصف قدميه إلى الغداة ، ولما توفي صلى عليه في داره الحسين بن علي بن النعمان القاضي ، وحضر جنازته قائد القواد وسائر الأكابر ، ودفن في مجلس بداره الكبيرة ، المعروفة بدار العامة . قال المختار المسبحي : إنه لما غسل ، جعل في فيه ثلاث شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم ، كان ابتاعها بمال عظيم ، وكانت عنده في درج ذهب ، مختومة الأطراف بالمسك ، ووصى بأن تجعل في فيه ، ففعل ذلك به .
وحنزابة : جارية ، هي أم والده الفضل ، والحنزابة في اللغة : القصيرة الغليظة . قال ابن طاهر : رأيت عند الحبال كثيرا من الأجزاء التي خرجت لابن حنزابة ، وفي بعضها الجزء الموفي ألفا من مسند كذا ، والجزء الموفي خمسمائة من مسند كذا ، وكذا سائر المسندات . ولم يزل ينفق في البر والمعروف الأموال ، وأنفق الكثير على أهل الحرمين ، إلى أن اشترى دارا من أقرب الدور ، إلى الضريح النبوي ، ليس بينه وبين القبر إلا الحائط ، وطريق في المسجد ، وأوصى أن يدفن فيها ، وقرر عند الأشراف ذاك ، فسمحوا له بذلك ، فلما حمل تابوته من مصر ، خرجت الأشراف من الحرمين لتلقيه ، وحجوا به ، وطافوا بتابوته ، ثم ردوه إلى المدينة ودفنوه في تلك الدار ، فعلوا ذلك لما له عليهم من الأفضال .