حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد بن عبد الله بن أبي عامر

محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد بن الوليد القحطاني المعافري الأندلسي ، الملك المنصور الحاجب أبو عامر . مدبر دولة الخليفة المؤيد بالله هشام ابن المستنصر الأموي صاحب الأندلس ، فإن المؤيد بالله بويع بعد أبيه ، وله تسع سنين ، وكان الحاجب أبو عامر هو الكل ، فعمد أول تغلبه على الأمر إلى خزائن المستنصر بالله الحكم ابن الناصر ، الجامعة للكتب ، فأبرز ما فيها من صنوف التواليف بمحضر من خواصة العلماء ، وأمر بإفراد ما فيها من كتب الأوائل ، حاشى كتب الطب والحساب ، وأمر بإحراقها ، فأحرقت ، وطمر بعضها ، وكانت كثيرة جداً ، ففعل ذلك تحبباً إلى العوام ، وتقبيحاً لرأي المستنصر عندهم . وكان أبو عامر حازماً مدبراً ، شجاعاً بطلاً غزا ما لم يغزه أحد من الملوك ، وافتتح فتوحاً كثيرة ، وبقي في المملكة نيفاً وعشرين سنة .

وكان عالماً فاضلاً ، كثير المآثر والمحاسن ، قد طلب العلوم في صباه ، فإن أباه أبا حفص كان من العلماء الزهاد ، قد سمع من محمد بن عمر بن لبابة ، وأحمد بن خالد . تمكن أبو عامر من الأمور ودانت لهيبته أقطار الأندلس ، وأمنت به لفرط سياسته . وقد استوزر جماعة ، وكان المؤيد بالله معه صورة بلا معنى ، فإنه استولى على التدبير والحجوبية ، ولم يبق أحد من الدولة يقدر على رؤية المؤيد ، بل كان أبو عامر يدخل عليه القصر ويخرج فيقول : أمر أمير المؤمنين بكذا ، ونهى عن كذا ، فلا يخالفه أحد ، وكان يمنع المؤيد من الاجتماع بأحد ، وإذا كان بعد سنين أركبه وجعل عليه برنساً ، وألبس جواريه مثله ، فلا يعرف المؤيد في سائر الجواري ، ويخرجه ليتنزه في الزهراء ، ثم يعود إلى القصر على هذه الحالة ، وليس له إلا السكة والخطبة .

وكان أبو عامر له في الجمعة مجلس حافل ، تجتمع فيه العلماء للمناظرة . وغزا في أيامه نيفاً وخمسين غزوة ، وملأ بلاد المسلمين غنائم وسبياً ، حتى قيل : لقد أبيعت بنت عظيم من عظماء الروم ذات حسن وجمال بقرطبة بعشرين دينارًا عامرية ، وكان إذا فرغ من قتال العدو ، نفض ما عليه من غبار ، ثم يجمعه ويتحفظ به ، فلما احتضر ، أمر بما اجتمع من ذلك أن يذر على كفنه . وتوفي - رحمه الله - وهو بأقصى الثغور ، عند موضع يعرف بمدينة سالم ، مبطوناً شهيداً في هذه السنة .

وللشعراء فيه مدائح كثيرةً ، وكان يجيزهم بالذهب الكثير . وقام بالأمر بعده ولده أبو مروان عبد الملك بن أبي عامر ، ولقبوه بالمظفر ، فدامت أيامه في الأمن والخصب ، ولكن لم تطل مدته ، ومات ، فثارت الفتن بالأندلس .

موقع حَـدِيث