سنة اثنتين وأربعمائة
سنة اثنتين وأربعمائة أذِنَ فخرُ المُلْك أبو غالب بن حامد الوزير الذي قُلِّد العراق عام أول في عمل عاشوراء والنَّوْح . وفي ربيع الآخر كُتِبَ من الديوان محضر في معنى الخلفاء الذين بمصر والقدح في أنسابهم وعقائدهم ، وقُرِئت النسخةُ ببغداد ، وأُخِذَت فيها خطوط القُضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العِلْم والمعرفة بنسَب الدَيْصَانية ، وهم منسوبون إلى دَيْصَان بن سعيد الخُرّميّ ، إخوان الكافرين ، ونُطَف الشياطين ، شهادةً يُتقرَّبُ بها إلى الله ، ومعتقد ما أوجب الله على العلماء أن يبينوه للناس ، شهدوا جميعا : إن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والخزْي والنكال - ابن مَعَد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله - فإنه لما صار سعيد إلى الغرب تسمى بُعبَيْد الله وتلقب بالمهدي ، وهو ومن تقدم من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليه وعليهم اللعنة - أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأن ذلك باطل وزور ، وأنتم لا تعلمون أن أحدا من الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم أدعياء . وقد كان هذا الإنكار شائعا بالحَرَمَيْن ، وفي أول أمرهم بالغرب ، منتشرا انتشارا يمنع من أن يُدلَّس على أحد كَذِبُهُم ، أو يذهب وهْمٌ إلى تصديقهم ، وأن هذا الناجم بمصر هو وسبيله كفار وفُساق فُجار زنادقة ، ولمذهب الثنوية والمَجُوسية معتقدون ، قد عطلوا الحدود ، وأباحوا الفروج ، وسفكوا الدماء ، وسبوا الأنبياء ولعنوا السلف ، وادعوا الربوبية ، وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة .
وكتب خلق كثير في المحضر منهم الشريف الرضي ، والمرتضى أخوه ، وابن الأزرق الموسوي ، ومحمد بن محمد بن عمر بن أبي يَعْلَى العلويون ، والقاضي أبو محمد عبيد الله ابن الأكفانيّ ، والقاضي أبو القاسم الجزري ، والإمام أبو حامد الإسفراييني ، والفقيه أبو محمد الكُشفليّ ، والفقيه أبو الحسين القدوريّ الحنفيّ ، والفقيه أبو علي بن حَمَكَان ، وأبو القاسم بن المحسن التنوخيّ ، والقاضي أبو عبد الله الصَيْمُريّ . وفيها فرق فخر المُلْك الوزير أموالا عظيمة في وجوه البر ، وبالغ في ذلك حتى كثر الدعاء له ببغداد ، وأقام دارا هائلة أنفق عليها أموالا طائلة . وفيها ورد كتاب يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سُبكْتكين إلى القادر بالله بأنه غزا قوما من الكُفار ، وقطع إليهم مفازة ، وأصابه عطش كادوا يهلكون ، ثمّ تفضّل الله عليهم بمطر عظيم رواهم ، ووصلوا إلى الكفّار ، وهم خلق ومعهم ستّمائة فيل ، فنصر عليهم وغنم وعاد .
وفي آخر السنة ورد كتاب أمير الحاج محمد بن محمد بن عمر العلوي بأن ريحا سوداء هاجت عليهم بُزبالة ، وفقدوا الماء ، فهلك خلْق ، وبلغت مزادة الماء مائة درهم ، وتخفر جماعة ببني خَفَاجة وردّوا إلى الكوفة . وعُمل الغدير ، ويوم الغدير معروف عند الشيعة ، ويوم الغار لجهلةِ السُّنّة في شهر ذي الحجة بعد الغدير بثمانية أيام اتخذته العامة عنادا للرافضة . فَعُمِل الغدير في هذه السنة والغار في ذي الحجة ، لكن بِطُمَأنينة وسُكُون ، وأظهرت القَيْنات من التعليق شيئا كثيرا ، واستعان السُّنّة بالأتراك ، فأعاروهم القماش المفتخر والحلي والسلاح المذهبة .
وفي هذه الحدود هرب من الديار المصرية ناظر ديوان الزمام بها ، وهو الوزير أبو القاسم الحسن بن علي المغربي حين قَتَلَ الحاكم أباه وعمه ، وبقي إِلْبا على الحاكم يسعى في زوال دولته بما استطاع . فحصل عند المفرج بن جراح الطائي أمير عرب الشام ، وحسن له الخروج على الحاكم ، وقتل صاحب جيشه ، فقتله كما ذكرناه سنة إحدى وأربعمائة . ثم قال أبو القاسم لحسان ولد المفرج بن الجراح : إن الحسن بن جعفر العلوي صاحب مكة لا مَطْعَن في نسبه ، والصواب أن تنصبه إماما ، فأجابه ، ومضى أبو القاسم إلى مكة ، واجتمع بأميرها وأطمعه في الإمامة ، وسهل عليه الأمور وبايعه ، وجوز أخذ مال الكعبة وضربِهِ دراهم ، وأخذ أموالا من رجل يُعرف بالمطّوعي ، عنده ودائع كثيرة للناس ، واتفق موت المطوعي ، فاستولى على الأموال وتلقب بالراشد بالله ، واستخلف نائبا على مكة ، وسار إلى الشام ، فتلقاه المفرج وابنهُ وأمراء العرب ، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين ، وكان متقلدا سيفا زعم أنه ذو الفِقار ، وكان في يده قضيب ذكر أنه قضيب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وحوله جماعة من العلويين ، وفي خدمته ألف عبد .
فنزل الرملة ، وأقام العدل ، واستفحل أمره ، فراسل الحاكمُ ابن جراح ، وبعث إليه أموالا استماله بها ، وأحس الراشد بالله بذلك ، فقال لابن المغربي : غَرَرْتني وأَوْقعتني في أيدي العرب ، وأنا راض من الغنيمة بالإياب والأمان . وركب إلى المفرج بن جراح وقال : قد فارقتُ نعمتي ، وكشفتُ القناع في عداوة الحاكم سُكونا إلى ذمامك ، وثقةً بقولك ، واعتمادا على عهودك ، وأرى ولدكَ حسانا قد أصلح أمره مع الحاكم وأريدُ العَوْد إلى مأمني . فسيره المفرج إلى وادي القُرى ، وسيرَّ أبا القاسم ابن المغربي إلى العراق .
فقصدَ أبو القاسم فخر الملك أبا عليّ ، فتوهّموا فيه أنه يفسد الدولة العباسية ، فتسحب إلى الموصل ونفق على قرواش ، ثم عاد إلى بغداد . وفي جمادى الأولى عُزل أبو المطاع بن حمدان عن إمرة دمشق ، وأعيد إليها بدر العطار . ثم صُرِف بعد أيام بالقائد ابن بزال ، فولِيَها نحوا من أربعة أعوام .