محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي
محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري الحافظ ، أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن البيع ، صاحب التصانيف في علوم الحديث . ولد يوم الاثنين ثالث ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة . وطلب العلم من الصغر باعتناء أبيه وخاله ، فأول سماعه سنة ثلاثين ، واستملى على أبي حاتم بن حبان سنة أربع وثلاثين .
ورحل إلى العراق سنة إحدى وأربعين بعد موت إسماعيل الصفار بأشهر . وحج ، ورحل إلى بلاد خُراسان وما وراء النهر . وشيوخه الذين سمع منهم بنيسابور وحدها نحو ألف شيخ ، وسمع بالعراق وغيرها من البلدان من نحو ألف شيخ .
وحدث عن أبيه ، وقد رأى أبوه مسلم بن الحجاج ، وعن محمد بن علي المذكر ، ومحمد بن يعقوب الأصم ، ومحمد بن يعقوب بن الأخرم ، ومحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الصفار نزيل نيسابور ، ومحمد بن أحمد بن محبوب المروزي ، وأبي حامد أحمد بن علي بن حسنويه المقرئ ، والحسن بن يعقوب البخاري ، والقاسم بن القاسم السياري ، وأبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي الفقيه ، وأبي النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه ، وأبي جعفر محمد بن صالح بن هانئ ، وأبي عمرو عثمان ابن السماك ، وأبي بكر أحمد بن سلمان النجاد ، وأبي محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه ، وأبي محمد بن حمدان الجلاب الهمذاني ، والحسين بن الحسن الطوسي ، وعلي بن محمد بن عُقبة الشيباني الكوفي ، وأبي علي الحسين بن علي النيسابوري الحافظ وبه تخرج ، وأبي الوليد حسان بن محمد المُزكي الفقيه ، وأبي جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي المؤدب ، وعبد الباقي بن قانع الأموي الحافظ ، ومحمد بن حاتم بن خُزيمة الكشي ، شيخ معمر قدم عليهم . روى عن عبد بن حُميد ، وغيره ، ولم يزل يسمع حتى كتب عن غير واحد أصغر منه سنا وسندا . روى عنه أبو الحسن الدارقطني وهو من شيوخه ، وأبو الفتح بن أبي الفوارس ، وأبو العلاء محمد بن علي الواسطي ، ومحمد بن أحمد بن يعقوب ، وأبو ذر عبد بن أحمد الهروي ، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، وأبو يعلى الخليل بن عبد الله القزويني ، وأبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشيري ، وعثمان بن محمد المحمي ، والزكي عبد الحميد بن أبي نصر البحيري ، وأبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن ، وجماعة آخرهم أبو بكر أحمد بن علي بن خلف الشيرازي .
وانتخب على خلق كثير ، وجرح وعدل ، وقُبل قوله في ذلك لسعة علمه ومعرفته بالعلل والصحيح والسقيم . وقرأ القرآن العظيم على أبي عبد الله محمد بن أبي منصور الصرام ، وابن الإمام بنيسابور ، وعلى أبي علي ابن النقار الكوفي ، وأبي عيسى بكار البغدادي ، وتفقه على أبي علي بن أبي هريرة ، وأبي سهل محمد بن سُليمان الصعلوكي ، وأبي الوليد حسان بن محمد ، وذاكر أبا بكر محمد بن عمر الجعابي ، وأبا علي النيسابوري ، وأبا الحسن الدارقُطني . وسمع منه أحمد بن أبي عثمان الحيري ، وأبو بكر القفال الشاشي ، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد المُزكي ، وابن المظفر ، وهم من شيوخه .
وصحب من الصُوفية : أبا عمرو بن نُجيد ، وجعفرا الخُلدي ، وأبا عثمان المغربي ، وجماعة سواهم بنيسابور ، ورحل إليه من البلاد ، وحدث عنه في حياته ، وأبلغ من ذا أن أبا عمر الطلمنكي كتب علوم الحديث للحاكم ، عن شيخ له سنة تسع وثمانين وثلاثمائة ، بسماعه من صاحب الحاكم ، عن الحاكم ، ولم يقع لي حديثه عاليا إلا بإجازة . أخبرنا أبو المُرهف المقداد بن هبة الله القيسي في كتابه قال : أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن أحمد بن هبة الله بن عبد القادر المنصوري العباسي سنة اثنتي عشرة وستمائة ( ح ) وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي الزاهد ، وعبد الرحمن بن أحمد كتابة قالا : أخبرنا الفتح بن عبد الله بن محمد الكاتب قالا : أخبرنا أبو الفضل أحمد بن طاهر بن سعيد بن فضل الله الميهني ( ح ) وأخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله ابن تاج الأمناء قراءةً ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن الحُسين ابن المقير ، عن أبي الفضل الميهني ( ح ) وأخبرنا ابن تاج الأمناء أيضا قال : أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي الطوسي إجازةً قال : أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر ، وابن أخيه عبد الخالق بن زاهر ، وابن أخيه الآخر عبد الكريم بن خلف ، وعمر بن أحمد الصفار الأصولي ، وعبد الله بن محمد الصاعدي ، وعبد الكريم بن الحسن الكاتب ، وأخوه أحمد ، وأبو بكر عبد الله بن جامع الفارسي ، وأبو الفُتوح عبد الله بن علي الخرجُوشي ، وأبو عبد الله الحسن بن إسماعيل العُماني ، والحسن بن محمد بن أحمد الطوسي ، ومنصور بن محمد الباخرزي ، وعرفة بن علي السمرقندي ، وعبد الرزاق بن أبي القاسم السياري ، وجامع بن أبي نصر السقاء ، وأبو سعد محمد بن أبي بكر الصيرفي ، وأبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن الكرماني ، وأحمد بن إسماعيل بن أبي سعد ، وسعيد بن أبي بكر الشعيري ، وعبد الوهاب بن إسماعيل الصيرفي . قالوا هم والميهني : أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي قراءةً عليه قال : أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال : حدثنا إبراهيم بن مرزوق بمصر قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : حدثنا شُعبة ، عن خالد الحذاء ، عن سعيد بن أبي الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار : تقتلك الفِئة الباغية .
أخرجه مسلم ، عن إسحاق الكوسج ، عن عبد الصمد . فوقع لنا بدلا عاليا . أخبرنا أبو علي ابن الخلال ، قال : أخبرنا جعفر الهمداني قال : أخبرنا أبو طاهر بن سلفة قال : سمعتُ إسماعيل بن عبد الجبار القاضي بقزوين يقول : سمعت الخليل بن عبد الله الحافظ يقول ، فذكر الحاكم أبا عبد الله وعظمه ، وقال : له رحلتان إلى العراق والحجاز .
الرحلة الثانية سنة ثمان وستين ، وناظر الدارقطني فرضيه ، وهو ثقة واسع العلم . بلغت تصانيفه للكتب الطوال والأبواب وجمع الشيوخ قريبا من خمسمائة جزء ، يستقصي في ذلك ، يؤلف الغث والسمين ، ثم يتكلم عليه فيبين ذلك ، وتوفي سنة ثلاث وأربعمائة . قلت : وهم الخليل في وفاته .
ثم قال : سألني في اليوم الثاني لما دخلت عليه ، ويُقرأ عليه في فوائد العراقيين : سُفيان الثوري ، عن أبي سلمة ، عن الزهري ، عن سهل بن سعد حديث الاستئذان . فقال لي : من أبو سلمة هذا ؟ فقلت من وقتي : هو المغيرة بن مُسلم السراج . فقال لي : وكيف يروي المغيرة عن الزُهري ؟ فبقيتُ ، ثم قال : قد أمهلتك أسبوعا حتى تتفكر فيه .
قال : فتفكرت ليلتي حتى بقيت أكرر التفكر ، فلما وقعت إلى أصحاب الجزيرة من أصحابه تذكرتُ محمد بن أبي حفصة ، فإذا كنيته أبو سلمة ، فلما أصبحتُ حضرت مجلسه ، ولم أذكر شيئا حتى قرأت عليه نحو مائة حديث ، فقال لي : هل تفكرت فيما جرى ؟ فقلت : نعم ، هو محمد بن أبي حفصة . فتعجب وقال لي : نظرت في حديث سُفيان لأبي عمرو البحيري ؟ فقلتُ : لا ، وذكرتُ له ما أممتُ في ذلك . فتحير وأثنى علي ثم كنتُ أسأله فقال لي : أنا إذا ذاكرتُ اليوم في باب لا بد من المطالعة لِكِبر سِني .
فرأيته في كل ما ألُقي عليه بحرا ، وقال لي : اعلم بأن خُراسان وما وراء النهر لكل بلدة تاريخ صنفه عالم منها ، ووجدت نيسابور مع كثرة العُلماء بها لم يصنفوا فيه شيئا ، فدعاني ذلك إلى أن صنفت تاريخ النيسابوريين . فتأملته ولم يسبقه إلى ذلك أحد ، وصنف لأبي علي بن سيمجور كتابا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأزواجه ، وأحاديثه ، وسماه الإكليل . لم أر أحدا رتب ذلك الترتيب ، وكنت أسأله عن الضُعفاء الذين نشؤوا بعد الثلاثمائة بنيسابور وغيرها من شيوخ خُراسان ، وكان يبين من غير محاباة .
أخبرنا المسلم بن علان ، ومؤمل بن محمد كتابة ، قالا : أخبرنا أبو اليُمن الكندي ، قال : أخبرنا أبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر الخطيب قال : أبو عبد الله ابن البيع الحاكم كان ثقة . أول سماعه في سنة ثلاثين وثلاثمائة ، وكان يميل إلى التشيع ، فحدثني إبراهيم بن محمد الأرموي بنيسابور - وكان صالحا عالما - قال : جمع أبو عبد الله الحاكم أحاديث ، وزعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم ، منها : حديث الطائر ، و من كنت مولاه فعلي مولاه . فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ، ولم يلتفتوا إلى قوله .
وقال أبو نُعيم ابن الحداد : سمعتُ الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ يقول : سمعتُ أبا عبد الرحمن الشاذياخي الحاكم يقول : كنا في مجلس السيد أبي الحسن ، فسئل أبو عبد الله الحاكم عن حديث الطير فقال : لا يصح ، ولو صح لما كان أحد أفضل من علي بعد النبي صلى الله عليه وسلم . قلتُ : هذه الحكاية سندها صحيح ، فما باله أخرج حديث الطير في المستدرك على الصحيح ؟ فلعله تغير رأيه . أنبؤونا عن أبي سعد عبد الله بن عمر الصفار ، وغيره ، عن أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي قال : أبو عبد الله الحاكم هو إمام أهل الحديث في عصره ، العارف به حق معرفته .
يُقال له: الضبي لأن جد جدته عيسى بن عبد الرحمن الضبي ، وأم عيسى هي متويه بنت إبراهيم بن طهمان الفقيه ، وبيته بيت الصلاح والورع والتأذين في الإسلام ، وقد ذكر أباه في تاريخه ، فأغنى عن إعادته ، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ، ولقي عبد الله بن محمد ابن الشرقي ، وأبا حامد بن بلال ، وأبا علي الثقفي ، ولم يسمع منهم ، وسمع من أبي طاهر المحمداباذي ، وأبي بكر القطان ، ولم يُظفر بمسموعه منهما ، وتصانيفه المشهورة تطفح بذكر شيوخه ، وقد قرأ القرآن بُخراسان والعراق على قراء وقته ، وتفقه على : أبي الوليد حسان ، والأستاذ أبي سهل ، واختص بُصحبة إمام وقته أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي ، فكان الإمام يراجعه في السؤال والجرح والتعديل والعلل ، وأوصى إليه في أمور مدرسته دار السُنة ، وفوض إليه تولية أوقافه في ذلك ، وذاكر مثل : الجِعابي ، وأبي علي الماسرجسي الحافظ الذي كان أحفظ زمانه ، وقد شرع الحاكم في التصنيف سنة سبع وثلاثين ، فاتفق له من التصانيف ما لعله يبلغ قريبا من ألف جزء من تخريج الصحيحين والعلل ، والتراجم ، والأبواب ، والشيوخ ، ثم المجموعات مثل : معرفة علوم الحديث ، و مُستدرك الصحيحين ، و تاريخ النيسابوريين ، وكتاب مزكى الأخبار ، و المدخل إلى علم الصحيح ، وكتاب الإكليل ، و فضائل الشافعي ، وغير ذلك ، ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه ، ويحكون أن مقدمي عصره مثل الإمام أبي سهل الصعلوكي ، والإمام ابن فُورك ، وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم ، ويُراعون حق فضله ، ويعرفون له الحُرمة الأكيدة . ثم أطنب عبد الغافر في نحو ذلك من تعظيمه ، وقال : هذه جُمل يسيرة هي غيض من فيض سيره وأحواله ، ومن تأمل كلامه في تصانيفه ، وتصرفه في أماليه ، ونظره في طُرق الحديث أذعن بفضله ، واعترف له بالمزية على من تقدمه ، وإتعابه من بعده ، وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه . عاش حميدا ، ولم يخلف في وقته مثله .
مضى إلى رحمة الله في ثامن صفر سنة خمس وأربعمائة . وقال أبو حازم عمر بن أحمد العبدويي الحافظ : سمعت الحاكم أبا عبد الله إمام أهل الحديث في عصره يقول : شربت ماء زمزم وسألت الله تعالى أن يرزقني حُسن التصنيف . قال أبو حازم : وسمعتُ السلمي يقول : كتبت على ظهر جزء من حديث أبي الحسين الحجاجي الحافظ .
فأخذ القلم وضرب على الحافظ ، وقال : أيش أحفظ أنا أبو عبد الله ابن البياع أحفظ مني ، وأنا لم أر من الحُفاظ إلا أبا علي الحافظ النيسابوري ، وابن عُقدة . وسمعت السلمي يقول : سألت الدارقطني : أيهما أحفظ ابن منده أو ابن البيع ؟ فقال : ابن البيع أتقن حِفظا . قال أبو حازم : أقمت عند الشيخ أبي عبد الله العُصمي قريبا من ثلاث سنين ، ولم أر في جملة مشايخنا أتقن منه ولا أكثر تنقيرا ، وكان إذا أشكل عليه شيء أمرني أن أكتب إلى الحاكم أبي عبد الله .
فإذا ورد جواب كتابه حكم به وقطع بقوله . ذكر هذا كله الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أنه قرأه بخط أبي الحسن علي بن سليمان اليمني . قال : وقع لي عن أبي حازم العبدويي فذكره ، وممن روى عن الحاكم من الكبار ، قال أبو صالح المؤذن : أخبرنا مسعود بن علي السجزي قال : حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك قال : حدثنا أبو عمر محمد بن أحمد بن جعفر البحيري الحافظ قال : حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل بن مُطرف الكرابيسي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن حمدويه الحافظ قال : حدثنا أحمد بن سلمان النجاد قال : حدثنا محمد بن عثمان قال : حدثنا الحماني قال : حدثنا سُعير بن الخمس ، عن عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن بلالا يؤذن بليل .
الحديث ثم قال مسعود السجزي : حدثنيه الحاكم غير مرة بهذا ، وكان للحاكم لما رووه عنه ستٌّ وعشرون سنة . وقال أبو موسى المديني : أخبرنا هبة الله بن عبد الله الواسطي ، قال : حدثنا الخطيب قال : أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال : حدثنا الدارقُطني , قال : حدثني محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري ، قال : حدثنا محمد بن جعفر النسوي ، قال : حدثنا الخليل بن محمد النسوي ، قال : حدثنا خداش بن مخلد قال : حدثنا يعيش بن هشام قال : حدثنا مالك ، عن الزهري ، عن أنس ، أن النبي صلى عليه وسلم قال : ما أحسن الهدية أمام الحاجة ! . هذا باطل عن مالك ، وقد رواه الموقري - وهو واه - عن الزهري مرسلا .
قال أبو موسى الحافظ : أخبرنا الحسين بن عبد الملك ، عن أبي القاسم سعد بن علي أنه سمع أبا نصر الوائلي يقول : لما ورد أبو الفضل الهمذاني إلى نيسابور وتعصبوا له ولقبوه بديع الزمان ، أعجب بنفسه ، إذ كان يحفظ المائة بيت إذا أنشدت بين يديه مرة ، وينشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة . فأنكر على الناس قولهم : فلان الحافظ في الحديث ، ثم قال : وحفظ الحديث مما يذكر ؟ ! فسمع به الحاكم ابن البيع ، فوجه إليه بجزء ، وأجل له جمعة في حفظه ، فرد إليه الجزء بعد الجمعة وقال : من يحفظ هذا ؛ محمد بن فلان ، وجعفر بن فلان ، عن فلان ؟ أسامي مختلفة ، وألفاظ متباينة . فقال له الحاكم : فاعرف نفسك ، واعلم أن حفظ هذا أصعب مما أنت فيه .
ثم روى أبو موسى المديني أن الحاكم دخل الحمام فاغتسل وخرج ، ثم قال : آه وقبض روحه وهو متزر لم يلبس قميصه بعد ، ودفن بعد العصر يوم الأربعاء ، وصلى عليه القاضي أبو بكر الحيري . وقال الحسن بن أشعث القرشي : رأيت الحاكم في المنام على فرس في هيئة حسنة ، وهو يقول : النجاة . فقلت له : أيها الحاكم ! في ماذا ؟ قال : في كتبة الحديث .
قال الخطيب في تاريخه : حدثني الأزهري قال : ورد ابن البيع بغداد قديما فقال : ذكر لي أن حافظكم - يعني الدارقطني - خرج لشيخ واحد خمسمائة جزء ، فأروني بعضها . فحمل إليه منها ، وذلك مما خرجه لأبي إسحاق الطبري ، فنظر في أول الجزء الأول حديثا لعطية العوفي فقال : استفتح بشيخ ضعيف . ثم إنه رمى الجزء من يده ولم ينظر في الباقي .
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد ببعلبك قال : أخبرنا أبو محمد عبد العظيم المنذري قال : سمعت علي بن المفضل قال : سمعت أحمد بن محمد الحافظ يقول : سمعت محمد بن طاهر الحافظ يقول : سألت أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني الحافظ بمكة قلت له : أربعة من الحفاظ تعاصروا أيهم أحفظ ؟ فقال : من ؟ قلت : الدارقطني ببغداد ، وعبد الغني بمصر ، وأبو عبد الله بن منده بأصبهان وأبو عبد الله الحاكم بنيسابور . فسكت فألححت عليه ، فقال : أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل ، وأما عبد الغني فأعلمهم بالأنساب ، وأما ابن منده فأكثرهم حديثا مع معرفة تامة ، وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفا . رواها أبو موسى المديني في ترجمة الحاكم ، بالإجازة عن ابن طاهر .
أخبرنا أبو بكر بن أحمد الفقيه قال : أخبرنا محمد بن سليمان بن معالي ، قال : أخبرنا يوسف بن خليل ، قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل الطرسوسي ( ح ) وأنبأني أحمد بن سلامة ، عن الطرسوسي ، أن محمد بن طاهر الحافظ كتب إليهم أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري عن الحاكم أبي عبد الله النيسابوري فقال : ثقة في الحديث ، رافضي خبيث . أنبأنا ابن سلامة ، عن الطرسوسي ، عن ابن طاهر قال : كان الحاكم شديد التعصب للشيعة في الباطن ، وكان يُظهر التسنن في التقديم والخلافة ، وكان منحرفا غاليا عن معاوية وأهل بيته ، يتظاهر به ولا يعتذر منه . فسمعت أبا الفتح سمكويه بهراة يقول : سمعت عبد الواحد المليحي يقول : سمعتُ أبا عبد الرحمن السُلمي يقول : دخلتُ على أبي عبد الله الحاكم وهو في داره لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرام ، وذلك أنهم كسروا مِنبره ومنعوه من الخروج ، فقلت له : لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثا لاسترحت من هذه المحنة .
فقال : لا يجيء من قلبي ، لا يجيء من قلبي ، وسمعتُ المظفر بن حمزة بجُرجان ، يقول : سمعتُ أبا سعد الماليني يقول : طالعت كتاب المستدرك على الشيخين الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره ، فلم أر فيه حديثا على شرطهما ! قلتُ : وهذا إسراف وغلو من الماليني ، وإلا ففي هذا المستدرك جملة وافرة على شرطهما ، وجملة كبيرة على شرط أحدهما . لعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب ، وفيه نحو الرُبع مما صح سنده ، وفيه بعض الشيء أو له علة ، وما بقي وهو نحو الرُبع ، فهو مناكير وواهيات لا تصح ، وفي بعض ذلك موضوعات ، قد أعلمت لما اختصرت هذا المستدرك ونبهت على ذلك . سمعت أبا محمد ابن السمرقندي يقول : بلغني أن مستدرك الحاكم ذُكر بين يدي الدارقُطني ، فقال : نعم ، يستدرك عليهما حديث الطير .
فبلغ ذلك الحاكم ، فأخرج الحديث من الكتاب . قلت : لا بل هو في المستدرك ، وفيه أشياء موضوعة نعوذ بالله من الخذلان . قال ابن طاهر : ورأيت أنا حديث الطير ، جمع الحاكم ، في جزء ضخم بخطه فكتبته للتعجب .
قلت : وللحاكم جزء في فضائل فاطمة رضي الله عنها . وقد قال الحاكم في ترجمة أبي علي النيسابوري الحافظ من تاريخه ، قال : ذكرنا يوما ما روى سليمان التيمي ، عن أنس ، فمررت أنا في الترجمة ، وكان بحضرة أبي علي رحمه الله ، وجماعة من المشايخ ، إلى أن ذكرت حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن . فحمل بعضهم علي ، فقال أبو علي له : لا تفعل ، فما رأيت أنت ولا نحن في سنه مثله ، وأنا أقول : إذا رأيته رأيت ألف رجل من أصحاب الحديث .
قد مر أن الحاكم توفي في صفر سنة خمس وأربعمائة . وذكر أبو موسى المديني في ترجمة الحاكم مفردة قال: كان دخل الحمام واغتسل ، وخرج فقال : آه . وقبض روحه وهو متزر لم يلبس القميص بعد وصلى عليه القاضي أبو بكر الحيري .