محمد بن علي بن خلف
محمد بن علي بن خلف ، الوزير فخر المُلك ، أبو غالب ابن الصيرفي ، الذي صنف الفخري في الجبر والمقابلة من أجله . كان جوادا ممدحا رئيسا ، قتله مخدومه سلطان الدولة ابن السلطان بهاء الدولة ابن عضد الدولة بنواحي الأهواز في هذه السنة . ولُد فخر المُلك بواسط في ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ، وتنقلت به الأحوال حتى ولي الوزارة ، وكان قد جمع بين الحِلم والكرم والرأي .
قال أبو جعفر ابن المسلمة : كنت مع أبي عند فخر المُلك أبي غالب وقد رُفعت إليه سعايةٌ برجل ، فوقع فيها : السعاية قبيحة ولو كانت صحيحة . فإن كُنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أكثر من الربح ، ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور ، ولولا أنك في خفارة شيبك لعاملناك بما يشبه مقالك ، ويرتدع به أمثالك ، فاكتم هذا العيب ، واتق من يعلم الغيب ثم أمر الوزير فخر المُلك أن تطرح في الكتاتيب وتُعلم الصبيان ، يعني : هذه الكلمات . وقد ذكره هلال بن المحسن في كتاب الوزراء من جمعه ، فأسهب في وصفه ، وأطنب ، وطول ترجمته .
وكان أبوه صيرفيا بديوان واسط ، فنشأ فخر المُلك في الديوان وكان يتعانى الكرم والمروءة في صغره ، وله نفس أبية ، وأخلاق سنية ، فكان أهله يلقبونه بالوزير الصغير ، فلم يلبث أن ولي مُشارفة بعض أعمال واسط ، وتوصل إلى أن ولي ديوان واسط ، وتخادم لبهاء الدولة ابن عضد الدولة ولم يزل حتى وزر وناب لبهاء الدولة بفارس ، وجرت على يده فتوحات . وتوفي أبو علي الحسن بن أستاذ هُرمز عميد الجيوش ، فولي أبو غالب وزارة العراق في آخر سنة إحدى وأربعمائة ، ومدحه الشعراء . فلم يزل حاكما عليها حتى أُمْسِكَ بالأهواز في ربيع الأول وقُتل .
وكان رحمه الله طلق الوجه ، كثير البِشر ، جوادا ، تنقل في الأعمال جليلها وحقيرها ، وكان إليه المنتهى في الكفاءة ، والخبرة ، وتنفيذ الأمور ، يوقع أحسن توقيع وأسدهُ وألطفه ، ويقوم بعد الكد والنصب وهو ضاحك ، ما تبين عليه ضجر ، وكاتب ملوك الأقاليم وكاتبوه ، وهاداهم وهادوه . ولم يكن في وزراء الدولة البُويهية من جمع بين الكتابة والكفاءة وكبر الهمة والمروءة والمعرفة بكل أمر مثلهُ . كان أعيان القوم أبو محمد المهلبي ، وأبو الفضل بن العميد ، وأبو القاسم بن عباد ، وما فيهم من خبر الأعمال وجمع الأموال ، مثل فخر المُلك ، وكانت أيامه وعدله يزكى على أولئك ، وكان من محاسن الدنيا التي يعز مثلها .
وله بيمارستان عظيم ببغداد قل أن عمل مثله ، وكانت جوائزه وصلاته واصلةً إلى العلماء والكُبراء والصُلحاء والأدباء والمساكين ، وله في ذلك حكايات . دُفن دفنا ضعيفا ، فبدت رِجله ونبشته الكلاب ، وهو في ثيابه لم يكفن ، ثم أخذوا من وسطه هميانا فيه جوهر نفيس ، وأخذوا له من النعم والأموال ما ينيف على ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار . وقد ولي وزارة بغداد في أيام القادر بالله فأثر بها آثارا حسنة ، وعم بإحسانه وجوده الخاص والعام ، وعمر البلاد ، ونشر العدل والإحسان .
قتل مظلوما ، وقد مدحه غير واحد .