حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة عشرين وأربعمائة

سنة عشرين وأربعمائة فيها وقع برد كبار بالنعمانية ، في البردة أرطال . وجاءت ريح عظيمة قلعت الأصول والزيتون العاتية ، وكثيرا من النخل . ووُجدت بردة عظيمة يزيد وزنها على مائة رطل ، وقد نزلت في الأرض نحوا من ذراع .

وفيها ورد كتاب محمود بن سبكتكين ، وهو : سلامٌ على سيدنا ومولانا الإمام القادر بالله أمير المؤمنين ، إن كتاب العبد صدر عن معسكره بظاهر الري غُرة جُمادى الآخرة ، وقد أزال الله عن هذه البقعة أيدي الظلمة ، وطهرها من أيدي الباطنية الكفرة ، وقد تناهت إلى الحضرة حقيقة الحال فيما قصر العبدُ عليه سعيه واجتهاده غزو أهل الكفر والضلال ، وقمع من نبغ بخُراسان من الفئة الباطنية ، وكانت الري مخصوصة بالتجائهم إليها ، وإعلانهم بالدعاء إلى كفرهم فيها ، يختلطون بالمعتزلة والرافضة ، ويتجاهرون بشتم الصحابة ، ويُسرون الكفر ومذهب الإباحة ، وكان زعيمهم رستم بن علي الديلمي . فعطف العبدُ بالعساكر فطلع بجُرجان ، وتوقف بها إلى انصراف الشتاء . ثم سار إلى دامغان ، ووجه غالب الحاجب في مقدمة العسكر ، فبرز رستم على حُكم الاستسلام والاضطرار ، فقبض عليه وعلى رؤوس الباطنية من قُواده ، وخرج الديالمة معترفين بذنوبهم ، شاهدين بالكُفر والرفض على نفوسهم ، فرُجع إلى الفقهاء في تعرف أحوالهم ، فأفتوا بأنهم خارجون عن الطاعة ، داخلون في أهل الفساد ، يجب عليهم القتل والقطع والنفي على مراتب جناياتهم إن لم يكونوا من أهل الإلحاد .

فكيف واعتقادهم لا يخلو من التشيع والرفض والباطن ، وذكر هؤلاء الفقهاء أن أكثر هؤلاء القوم لا يصلون ولا يزكون ، ولا يعترفون بشرائط الدين ، ويجاهرون بالقذف وشتم الصحابة ، والأمثل منهم معتقدٌ مذهب الاعتزال ، والباطنية منهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، وحكموا - يعني الفقهاء - بأن رستم بن علي في حياله خمسون امرأة من الحرائر ، ولدن له ثلاثةً وثلاثين نفسا ، وحول رايته إلى خُراسان ، فانضم إليه أعيان المعتزلة والرافضة . ثم نظر فيما احتجنه رستم ، فعثر من الجواهر على ما قيمته خمسمائة ألف دينار . ثم ذكر أشياء من الذهب والستور والفرش ، إلى أن قال : فخلت هذه البقعة من دُعاة الباطنية وأعيان الروافض ، وانتصرت السُنة ، فطالع العبدُ بحقيقة ما يسره الله تعالى لنصر الدولة القاهرة .

وفي رجب انقض كوكب عظيم أضاءت منه الأرض ، وكان له دوي كدوي الرعد . وفي شعبان اضطرب أمر بغداد وكثرت العملات ، وكبس العيارون المحال . وأيضا غار الماء في الفرات غورا شديدا ، وبلغ طحن الكارة الدقيق دينارا .

وفيه جُمع العلماء والقضاة في دار الخلافة ، وقرئ عليهم كتابٌ طويل عمله القادر بالله يتضمن الوعظ وتفضيل مذهب السُنة ، والطعن على المعتزلة . وفيه أخبار كثيرة في ذلك . وفي رمضان جُمعوا أيضا وقرأ عليهم أبو الحسن بن حاجب النُعمان كتابا طويلا عمله القادر بالله ، فيه أخبار ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه ردٌ على من يقول بخلق القرآن ، وحكاية ما جرى بين عبد العزيز وبشر المريسي ، ثم ختمه بالوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وفي ذي القعدة جُمعوا لكتاب ثالث في فضل أبي بكر ، وعمر ، وسب من يقول بخلق القرآن ، وأعيد فيه ما جرى بين عبد العزيز وبشر المريسي ، وأقام الناس إلى بعد العتمة حتى فرغ ، ثم أخذ خطوطهم بحضورهم وسماع ما سمعوه . وكان يخطب بجامع براثا شيعي فيُظهر شِعارهم ، فتقدم إلى أبي منصور بن تمام الخطيب ليخطب ببراثا ويُظهر السنة . فخطب وقصر عما كان يفعله من قبله في ذكر علي رضي الله عنه ، فرموه بالآجُر ، فنزل ووقف المشايخ دونه حتى أسرع في الصلاة .

فتألم الخليفة وغاظه ذلك ، وطلب الشريف المرتضى ، وأبا الحسن الزينبي وأمر بمكاتبة السلطان والوزير أبي علي بن ماكولا ، وكان فيما كتب : إذا بلغ الأمير أطال الله بقاءه صاحب الجيش إلى الجرأة على الدين وسياسة الدولة والمملكة ، ثبتها الله ، من الرعاع والأوباش فلا صبر دون المبالغة بما توجبه الحِمية ، وقد بلغه ما جرى في يوم الجمعة الماضية في مسجد براثا الذي يجمع الكفرة والزنادقة ، ومن قد تبرأ الله منه فصار أشبه شيء بمسجد الضرار ، وذلك أن خطيبا كان فيه يجري إلى ما لا يخرج به عند الزندقة والدعوى لعلي بن أبي طالب عليه السلام بما لو كان حيا لقد قابله ، وقد فعل ذلك في الغُواة أمثال هؤلاء الغُثاء الذين يدعون لله ما تكاد السماوات يتفطرن منه . فإنه كان في بعض ما يورده هذا الخطيب - قبحه الله - يقول بعد الصلاة على الرسول : وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، مكلم الجمجمة ، ومُحيي الأموات ، البشري الإلهي ، مكلم أصحاب الكهف ، إلى غير ذلك من الغُلو ، فأنفذ الخطيب أبو تمام ، فأقام الخطبة ، فجاءه الآجر كالمطر ، فخُلع كتفه ، وكسر كنفه ، وأدمي وجهه ، وأشيط بدمه ، لولا أربعة من الأتراك فاجتهدوا وحموه وإلا كان هلك ، وهذه هجمة على دين الله وفتك في شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والضرورة ماسة إلى الانتقام . ونزل على الخطيب ثلاثون بالمشاعل ، فانتهبوا داره وأغروا حريمه ، فخاف الوزير والأمراء من فتنة تتولد ، فلم يخطب أحد ببراثا في الجمعة الآتية .

وكثُرت العملات والكبسات ، وزاد الأمر ، وفُتحت الدكاكين ، وعم البلاء . وفي ذي الحجة قُلد قضاء القُضاة أبو عبد الله الحسين بن ماكولا . ثم أقيمت الجمعة في جامع براثا بعد أشهر ، واعتذر رؤساء الشيعة عن سُفهائهم إلى الخليفة ، وعُملت للخطيب نسخة يعتمدها ، وأعفاهم الخطيب من دق المنبر بعقب سيفه ، فإن الشيعة تنكر ذلك ، وهو منكر .

وفي ذي الحجة ورد أبو يعلى الموصلي وجماعة من العيارين كانوا بأوانا وعُكبرا ، فقتلوا خمسة من الرجالة وأصحاب المصالح ، وظهروا من الغد بالكرخ في أيديهم السيوف ، وأظهروا أن كمال الدولة أبا سنان بعثهم لحفظ البلد وخدمة السلطان ، فثار بهم أهل الكرخ وظفروا بهم وصُلبوا . وفيها جهز صاحب مصر جيشا لقتال صالح بن مرداس صاحب حلب ، وكان مقدم الجيش نوشتكين الدزبري ، وكانت الوقعة على نهر الأردن ، فقُتل صالح وابنه ، وحُمل رأساهما إلى مصر ، وأقام نصر بن صالح بحلب ، والله أعلم .

موقع حَـدِيث