حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

منصور الحاكم بأمر الله

منصور الحاكم بأمر الله ، أبو علي ، صاحب مصر ابن العزيز نزار ابن المعز بالله العُبيدي . كان جوادا سمحا ، خبيثا ماكرا ، رديء الاعتقاد سفاكا للدماء ، قتل عددا كثيرا من كُبراء دولته صبرا ، وكان عجيب السيرة ، يخترع كل وقت أمورا وأحكاما يحمل الرعية عليها ؛ فأمر بكتب سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع ، وأمر العمال بالسب في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة ، وأمر فيها بقتل الكلاب ، فقُتلت عامة الكلاب في مملكته ، وبطل الفُقاع ، والمُلوخيا ، ونهى عن السمك الذي لا قشر له ، وظفر بمن باع ذلك فقتلهم ، ونهى في سنة ثنتين وأربعمائة عن بيع الرطب . ثم جمع منه شيئا عظيما فأحرق الكل ، ومنع من بيع العنب ، وأباد الكثير من الكروم ، وفيها أمر النصارى بأن تعمل في أعناقهم الصُلبان ، وأن يكون طول الصليب ذراعا ، ووزنه خمسة أرطال بالمصري ، وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قرامي الخشب في زنة الصلبان ، وأن يلبسوا العمائم السود ولا يكتروا من مسلم بهيمةً ، وأن يدخلوا الحمام بالصلبان .

ثم أُفردت لهم حمامات . وفي العام أمر بهدم الكنيسة المعروفة بقُمامة ، وبهدم جميع كنائس مصر ، فأسلم طائفة منهم . ثم إنه نهى عن تقبيل الأرض له ، وعن الدعاء له في الخطبة ، وفي الكتب ، وجعل عوض ذلك السلام عليه .

وقيل : إن ابن باديس أرسل يُنكر عليه أمورا ، فأراد استمالته ، فأظهر التفقه ، وحمل في كُمه الدفاتر ، وطلب إليه فقيهين ، وأمرهما بتدريس مذهب مالك في الجامع . ثم بدا له فقتلهما صبرا ، وأذن للنصارى الذين أكرههم في الرجوع إلى الشرك . وفي سنة أربع وأربعمائة نفى المنجمين من البلاد ، ومنع النساء من الخروج في الطرق ليلا ونهارا ، ومنع من عمل الخفاف لهن .

فلم يزلن ممنوعات سبع سنين وسبعة أشهر حتى مات . ثم إنه بعد مدة أمر ببناء ما كان أمر بهدمه من الكنائس ، وارتد طائفة ممن أسلم منهم . وكان أبوه قد ابتدأ الجامع الكبير بالقاهرة ، فتممه هو ، وكان على بنائه ونظره الحافظ عبد الغني بن سعيد .

وكان الحاكم يفعل الشيء ونقيضه . خرج عليه أبو ركوة الوليد بن هشام العثماني الأموي الأندلسي بنواحي برقة ، فمال إليه خلقٌ عظيم ، فجهز الحاكم لحربه جيشا ، فانتصر عليهم أبو ركوة وملك . ثم تكاثروا عليه وأسروه .

ويقال : إنه قُتل من أصحابه مقدار سبعين ألفا ، وحُمل إلى الحاكم فذبحه في سنة سبع وتسعين . وكان مولد الحاكم في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ، وكان يُحب العُزلة ، ويركب على بهيمة وحده في الأسواق ، ويُقيم الحسبة بنفسه وكان خبيث الاعتقاد ، مضطرب العقل ، يقال : إنه أراد أن يدعي الإلهية ، وشرع في ذلك ، فكلمه أعيان دولته وخوفوه بخروج الناس كلهم عليه ، فانتهى . واتفق أنه خرج ليلة في شوال سنة إحدى عشرة من القصر إلى ظاهر القاهرة ، فطاف ليلته كلها .

ثم أصبح فتوجه إلى شرقي حُلوان ومعه ركابيان ، فرد أحدهما مع تسعة من العرب السويديين ، ثم أمر الآخر بالانصراف ، فذكر هذا الركابي أنه فارقه عند قبر الفقاعي والمقصبة ، فكان آخر العهد به . وخرج الناس على رسمهم يلتمسون رجوعه ، ومعهم دواب الموكب والجنائب ، ففعلوا ذلك جمعةً . ثم خرج في ثاني يوم من ذي القعدة مظفر صاحب المظلة ، ونسيم ، وابن نشتكين ، وطائفة ، فبلغوا دير القُصير ، ثم إنهم أمعنوا في الدخول في الجبل ، فبينا هم كذلك إذ أبصروا حماره الأشهب المدعو بالقمر ، وقد ضُربت يداه فأثر فيهما الضربُ ، وعليه سرجه ولجامه .

فتبعوا أثر الحمار ، فإذا أثر راجل خلفه وراجل قدامه . فلم يزالوا يقصون الأثر حتى انتهوا إلى البركة التي في شرق حُلوان ، فنزل رجل إليها ، فوجد فيها ثيابه وهي سبع جِباب ، فُوجدت مزررة لم تُحل أزرارها ، وفيها آثار السكاكين ، فلم يشكوا في قتله ، مع أن طائفة من المتغالين في حُبه من الحمقى الحاكمية يعتقدون حياته ، وأنه لا بد أن يظهر ، ويحلفون بغيبة الحاكم ، ويقال : إن أخته دست عليه من قتله لأمور بدت منه . وحُلوان : قرية نزهةٌ على خمسة أميال من مصر ، كان يسكنها عبد العزيز بن مروان ، فوُلد له بها عمر رحمة الله عليه .

وقد مر في الحوادث بعض أمره .

موقع حَـدِيث