محمد بن الحسين بن موسى
محمد بن الحسين بن موسى ، أبو عبد الرحمن الأزدي أباً ، السُلمي جداً ، لأنه سبط أبي عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري . كان شيخ الصوفية وعالمهم بخُراسان . سمع من أبي العباس الأصم ، وأحمد بن علي بن حسنويه المقرئ ، وأحمد بن محمد بن عبدوس ، ومحمد بن أحمد بن سعيد الرازي صاحب ابن وارة ، وأبي ظهير عبد الله بن فارس العُمري البلخي ، ومحمد بن المؤمل الماسرجسي ، والحافظ أبي علي الحسين بن محمد النيسابوري ، وسعيد بن القاسم البرذعي ، وأحمد بن محمد بن رُميح النسوي ، وجده أبي عمرو .
وكان ذا عناية تامة بأخبار الصوفية ، صنف لهم سُننا وتفسيرا وتاريخا وغير ذلك . قال الحافظ عبد الغافر في تاريخه ، أبو عبد الرحمن شيخ الطريقة في وقته ، الموفق في جمع علوم الحقائق ومعرفة طريق التصوف ، وصاحب التصانيف المشهورة العجيبة في علم القوم . وقد ورث التصوف عن أبيه وجده ، وجمع من الكُتب مالم يُسبق إلى ترتيبه ، حتى بلغ فِهرست تصانيفه المائة أو أكثر ، وحدث أكثر من أربعين سنة إملاءً وقراءة ، وكتب الحديث بنيسابور ، ومرو ، والعراق ، والحجاز .
وانتخب عليه الحفاظ الكبار . سمع من أبيه ، وجده أبي عمرو ، والأصم ، وأبي عبد الله الصفار ، ومحمد بن يعقوب الحافظ ، وأبي جعفر الرازي ، وأبي الحسن الكارزي ، والإمام أبي بكر الصبغي ، والأستاذ أبي الوليد ، وابني المؤمل ، ويحيى بن منصور القاضي ، وأبي بكر القِطيعي ، وولد في رمضان سنة ثلاثين وثلاثمائة . قلت : وروى عنه الحاكم في تاريخه ، وقال : قل ما رأيت في أصحاب المعاملات مثل أبيه ، وأما هو فإنه صنف في علوم التصوف .
وسمع الأصم ، وأقرانه . وقيل : ولد سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ، وكتب بخطه عن الصبغي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة . قلت : وروى عنه أيضا أبو القاسم القُشيري ، وأبو بكر البيهقي ، وأبو سعيد بن رامش ، وأبو بكر محمد بن يحيى المزكي ، وأبو صالح المؤذن ، ومحمد بن إسماعيل التفليسي ، وأبو بكر بن خلف ، وعلي بن أحمد المديني المؤذن ، والقاسم بن الفضل الثقفي ، وخلق سواهم .
قال أبو القاسم القشيري : سمعتُ أبا عبد الرحمن السلمي يسأل أبا علي الدقاق : الذكر أتم أم الفكر ؟ فقال أبو علي : ما الذي يُفتح عليكم فيه ؟ فقال أبو عبد الرحمن : عندي الذكرُ أتم من الفكر ، لأن الحق سبحانه يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر ، وما وُصف به الحق أتم مما اختص به الخلق . فاستحسنه الأستاذ أبو علي رحمه الله . قال أبو القاسم : وسمعتُ الشيخ أبا عبد الرحمن يقول : خرجتُ إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهل الصُعلوكي ، وكان له قبل خروجي أيام الجمعة بالغدوات مجلس دور القرآن يختم فيه ، فوجدته عند رجوعي قد رفع ذلك المجلس ، وعقد لابن القعابي في ذلك الوقت مجلس القول ، والقولُ هو الغناء ، فداخلني من ذلك شيءٌ ، وكنتُ أقول في نفسي : قد استبدل مجلس الختم بمجلس القول .
فقال لي يوما : أيش يقول الناس لي ؟ قلت : يقولون : رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القول . فقال : من قال لأستاذه لم ، لا يُفلح أبدا . وقال الخطيب في تاريخه : قال لي محمد بن يوسف النيسابوري القطان : كان السُلمي غير ثقة ، وكان يضع للصوفية .
قال الخطيب : قدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلده جليل ، وكان مع ذلك مجودا ، صاحب حديث ، وله بنيسابور دُويرة للصوفية . قال الخطيب : وأخبرنا أبو القاسم القُشيري ، قال : كنتُ بين يدي أبي علي الدقاق فجرى حديث أبي عبد الرحمن السُلمي ، وأنه يقوم في السماع موافقة للفقراء ، فقال أبو علي : مثله في حاله لعل السكون أولى به ، امضِ إليه فستجده قاعدا في بيت كتبه ، وعلى وجه الكتب مجلدة صغيرة مربعة فيها أشعار الحسين بن منصور ، فهاتها ولا تقل له شيئا . قال : فدخلت عليه ، فإذا هو في بيت كُتبه ، والمجلدة بحيث ذكر أبو علي ، فكما قعدت أخذ في الحديث ، وقال : كان بعض الناس يُنكر على واحد من العلماء حركته في السماع ، فرؤي ذلك الإنسان يوما خاليا في بيت وهو يدور كالمتواجد ، فسئل عن حاله فقال : كانت مسألة مشكلة علي فتبين لي معناها ، فلم أتمالك من السرور حتى قمت أدور .
فقل له : مثل هذا يكون حالهم . فلما رأيت ذلك منهما تحيرت كيف أفعل بينهما ، فقلت : لا وجه إلا الصدق ؛ فقلت : إن أبا علي وصف هذه المجلدة ، وقال : احملها إلي من غير أن تعلم الشيخ ، وأنا أخافك ، وليس يمكنني مخالفته ، فأيش تأمر ؟ فأخرج أجزاءً من كلام الحسين بن منصور ، وفيها تصنيف له سماه الصيهور في نقض الدهور ، وقال : احمل هذه إليه . قال الخطيب : توفي السُلمي في شعبان .
قلت : كان وافر الجلالة ، له أملاك ورِثها من أمه ، وورثتها هي من أبيها وتصانيفه ، يقال : إنها ألف جزء ، وله كتاب سماه حقائق التفسير ليته لم يصنفه ، فإنه تحريف وقرمطة ، فدونك الكتاب فسترى العجب ! ورويت عنه تصانيفه وهو حي . وقع لي من عالي حديثه .