طاهر بن الحسن بن إبراهيم
طاهر بن الحسن بن إبراهيم ، أبو محمد الهمذاني الجصاص الزاهد . روى عن محمد بن يوسف بن عمر الكسائي البزاز ، والحسن بن علي الصفار ؛ وهذا الكسائي يروي عن البغوي شيئا قليلا . روى عن طاهر أبو مسلم بن غزو ، وحكى عنه جماعة من الصُلحاء ، وكان كبير القدر ، صاحب كرامات .
بالغ شيرويه في تطويل ترجمته ، وقال : سمعتُ أبا الحسن الصوفي يقول : سمعتُ أبي يقول : كان لطاهر الجصاص مصنفات عدة ، منها : أحكام المريدين مشتمل على سبعة أجزاء ، وكان يقرأ التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والقرآن ، ويعرف تفسيرها . سُئل طاهر عن التوحيد فقال : أن يكون رجوع المرء إلى نفسه ونظره إليه أشد عليه من ضرب عُنقه . وقال جعفر الأبهري : كان لطاهر الجصاص ثلاثمائة تلميذ كلهم من الأوتاد .
وقال مكي بن عمر البيع : سمعتُ محمد بن عيسى يقول : صام طاهر الجصاص أربعين يوما متواليات أربعين مرة ، وآخر أربعين عملها صام على قشر الدُّخن ، فلفرط يبسه قرع رأسه واختلط في عقله ، ولم أر أكثر مجاهدةً منه . قال شيرويه : كان طاهر يذهب مذهب أهل الملامة . وقال مكي : سمعت أبا سعد بن زيرك يقول : حضرتُ مجلسا ذُكر فيه طاهر الجصاص ، فبعضهم نسبه إلى الزندقة ، وبعضهم نسبه إلى المعرفة .
فلما كثرتِ الأقاويل فيه قلت : إن عيسى عليه السلام كان نبيا وافتتانُ الناس به أكثر ، وافتتانهم بعيسى ضرهم وما ضره ، وكذلك افتتان الناس بطاهر يضرهم ولا يضره . قال مكي : حضرت امرأةٌ عنده فقالت : ألح عليه بعض أصحابنا في إظهار العلة التي ترك بسببها اللحم والخبز ، فقال : إذا أكلتهما طالبتني نفسي بقُبلة أمرد مليح ! وسمعت منصورا الخياط الصوفي يقول : دخلت على طاهر الجصاص ، فنظرت إليه وإلى اجتماع القمل في ثوبه ، فسألته أن يعطيني فروته لأغسلها وأفليها . قال : على أن لا تقتل القمل .
قلت : نعم . ثم حملتها إلى النهر ، فلو كان معي قفيز كنت أملؤه قملا ، فكنسته بالمكنسة ونقيتهُ ، فلما رددتها عليه قال : الحالتان عندي سواء ، فإن القمل لا يؤذيني . وقال شيرويه : سمعت يوسف الخطيب يقول : دخلت على طاهر الجصاص ووضعت بين يديه تينا ، فناولته تينةً وقلت : أيُها الشيخ اقطع هذه التينة بأسنانك ، ولم يبق في فمه سِن ، فجعل يمصها ويلوكها حتى لانت وأمكنه قطعُها ، فأكل نصفها ، ووضع نصفها في فمي .
فكأني وجدتُ في نفسي من ريقه ولُعابه . فبتُ تلك الليلة ، فرأيت كأن آت أتاني ، فأخرج قلبي من جوفي من غير ألم ولا وجع . فلما شاهدتُ قلبي كأنه قنديل ، فيه سبعة عشر سِراجا ، فقال لي : هذا من ذلك اللُعاب .
سمعت عبد الواحد بن إسماعيل الُبُروجردي يقول : اشترينا شِواءً وحلواء فأكلنا ، ثم دخلنا على طاهر الجصاص فقلنا : نريد شيئا نأكله . فقال : قوموا عني أكلتم الشواء والحلواء في السوق وتطلبون شيئا من عندي . وكان طاهر يتكلم من كلام الملامة بأشياء لا بأس بها في الشرع إذا فتش ، وقبرهُ يزار ويُعظم .