جعفر بن محمد بن الحسين
جعفر بن محمد بن الحسين ، أبو محمد الأبهري ثم الهمذاني الزاهد . قال شيرويه : وحيد عصره في علم المعرفة والطريقة ، والزهد في الدنيا . حسن الكلام في المعرفة ، بعيد الإشارة ، مراعيا لشرائط المذهب ، دقيق النظر في علوم الحقائق .
روى عن صالح بن أحمد ، وجبريل ، وابن بشار ، وعلي بن الحسن بن الربيع ؛ الهمذانيين ، وعلي بن أحمد بن صالح القزويني ، ومحمد بن إسحاق بن كيسان القزويني ، ومحمد بن أحمد المفيد الجرجرائي ، ومحمد بن المظفر الحافظ . ورحل وطوف ؛ حدثنا عنه محمد بن عثمان ، وأحمد بن طاهر القومساني ، وأحمد بن عمر ، وعبدوس ، وبنجير بن منصور خادمه ، وعامة مشايخي بهمذان ، وكان ثقة ، صدوقا ، عارفا ، له شأن وخطر ، وآيات وكرامات ظاهرة ، صنف أبو سعد بن زيرك كتابا في كراماته ما رأى منه وما سمع منه . سمعت أبا طالب عليّ الحسني يقول : سمعت حسان بن محمد بن زيد بقرميسين يقول : سمعت نصر بن عبد الله ، قال : اجتمعت أنا وجعفر الأبهري ورجل بزاز عند الشيخ بدران بن جشمين ، فسألناه أنّ يرينا أنفسنا .
فأصعدنا إلى غرفة وشرط علينا أن لا يخدم بعضنا بعضا ، وكان يناول كل واحد منا كوزا ، فبقينا سبعة عشر يوما ، فشكا البزاز الجوع ، فقال له : انزل ، فقد رأيت نفسك . فلمّا كان اثنين وعشرين يوما سقطت أنا ولم أدر ، فقال : هذا صفراء ، مر اشتغل فقد رأيت نفسك ، وبقي جعفر أربعين يوما ، فجمع له الشيخ بدران النّاس لإفطاره ، فلما وضع المائدة قام جعفر وقال : اعفني من الطعام فما بي جوع ، وصعد إلى الغرفة أيضا عشرة أيام ، ثم شكا الجوع فجمع النّاس لإفطاره ، ثم قال : من أين علمت أنك لم تكن جائعا في الأول ؟ قال : لأني رأيت الخبز الحواري والخشكار على الخوان فكنت أفرق بينهما ، فلو كان بي جوع لما ميزت بين الطعامين . قال أبو طالب : فذكرت هذه الحكاية لجعفر ، فكان يلبس عليّ أمرها ويضرب الحديث بعضه ببعض إلى أنّ تحققت صدق الحكاية في تضاعيف كلامه .
قال شيرويه : وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت جعفرا يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام تسع عشرة مرة في مسجدي هذا ، فكان يوصيني كل مرة بوصية ، فقال لي في الكرة الأولى : يا جعفر ، لا تكن رأسا ، أي لا تمش قدام النّاس . سمعت أبا يعقوب الوراق قال : سمعت عبد الغفار بن عبيد الله الإمام يقول : قال جعفر الأبهري : كان شيخ لنا بأبهر يقرأ شيئا على كل مريض فيبرأ ، فإذا سأله النّاس عنه لم يخبرهم . فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال : إنّ الذي يقرأ شيخك على النّاس : وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ، إلى آخر الآية .
قال : فأخبرت شيخي بذلك فقال : مر ، فإنك أهل لذلك . توفي في شوال عن ثمان وسبعين سنة ، وقبره يزار ويبجل غاية التبجيل .