حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد بن إسماعيل بن عباد بن قريش

محمد بن إسماعيل بن عباد بن قريش ، القاضي أبو القاسم اللخمي الإشبيلي . من ذرية النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، وأصله من بلد العريش ، البلد التي كانت أول رمل مصر ، فدخل أبو الوليد إسماعيل بن عباد الأندلس ، ونشأ له أبو القاسم ، فاعتنى بالعلم وبرع في الفقه ، وتنقلت به الأحوال إلى أن ولي قضاء إشبيلية في أيام بني حمود الإدريسي ، فأحسن السياسة مع الرعية والملاطفة لهم ، فرمقته النفوس . وكان المعتلي يحيى بن عليّ الإدريسي صاحب قرطبة مذموم السيرة فسار إلى إشبيلية وحاصرها ، فلمّا نازلها اجتمع الأعيان إلى القاضي أبي القاسم هذا ، وقالوا له : ترى ما نزل بنا ، فقم بنا واخرج إلى هذا الظالم ونملكك ، فأجابهم وتهيأ للقتال ، وخرجوا إلى قتال يحيى ، فركب إليهم وهو سكران ، فقتل يحيى ، وعظم أبو القاسم في النفوس وبايعوه ، واستعان بالوزير أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي ، وعيسى بن حجاج الحضرمي ، وعبد الله بن عليّ الهوزني ، فدبر أمر إشبيلية أحسن تدبير ولقبوه بالظافر المؤيد بالله ، ثم أنه ملك قرطبة وغيرها ، واتسع سلطانه .

وقضيته مشهورة مع الشخص الذي زعم أنه هشام المؤيد بالله بن الحكم الأموي ، الذي كان المنصور محمد بن أبي عامر حاجبه . انقطع خبر المؤيد بالله هذا أكثر من عشرين سنة ، وجرت أحوال وفتن في هذه السنوات ، فلمّا تملك القاضي أبو القاسم بن عباد قيل له : إن هشام بن الحكم أمير المؤمنين بقلعة رباح في مسجد ، فأحضره ابن عباد وبايعه بالخلافة ، وفوّض إليه ، وجعل ابن عباد نفسه كالوزير بين يديه . قال الأمير عزيز : استولى القاضي محمد بن إسماعيل على الأمر سنة أربع وعشرين ، وحسده أمثاله وكثر الكلام فيه ، وقالوا : قتل يحيى بن عليّ الحسني الإدريسي من أهل البيت ، وقتل يحيى بن ذي النون ظلما ، واتسع القول فيه ، وهو في خلال ذلك مفكر فيما يفعله إذ جاءه رجل من قرطبة ، فقال : رأيت هشاما المؤيد بالله في قلعة رباح ، وكان ذلك الرجل يعرفه من مدة ، فقال : انظر ما تقول ! قال : أي والله رأيته ، وهو هشام بلا شك ، وكان عند القاضي عبد اسمه تومرت ، كان يقوم على رأس هشام ، فقال له : إذا رأيت مولاك تعرفه ؟ قال : نعم ، ولا أنكره ولي فيه علامات ، فأرسل رجلا مع الرجل ، فوجداه في قلعة رباح في مسجد ، فأعلماه أنهما رسولا القاضي ابن عباد ، فسار معهما إلى إشبيلية ، فلما رآه مولاه تومرت قام وقبل رجليه ، وقال : مولاي والله ، فقام إليه القاضي ، وقبل يديه هو وأولاده وسلموا عليه بالخلافة ، وأخرجه يوم الجمعة بإشبيلية ، ومشوا بين يديه إلى الجامع ، فخطب هشام للناس وصلى بهم ، وبايعوه ، القاضي ، وبنوه ، والناس ، وتولى القاضي الخدمة بين يديه ، وبقي أمير المؤمنين ، والقاضي يقول : أمر أمير المؤمنين ، وجرى على طريقة الحاجب ابن أبي عامر غير أنه لم يخرج إلى الجمع طول مدته ، والقاضي ابن عباد في رتبة وزير له .

واستقام لابن عباد أكثر مدن الأندلس . قال عزيز : خرج هشام هاربا بنفسه من قرطبة عام أربع مائة مستخفيا حتى قدم مكة ، ومعه كيس فيه جواهر ، فشعر به حرامية مكة ، فأخذوه منه ، فبقي يومين لم يطعم ، فأتاه رجل عند المروة ، فقال : تحسن عمل الطين ؟ قال : نعم ، فمضى وأعطاه ترابا ليجبله ، فلم يدر كيف يصنع ، وشارطه على درهم وقرص ، فقال له : عجل القرص ، فأتاه به فأكله ، ثم عمد إلى التراب فجبله . ثم خرج مع قافلة إلى الشام على أسوأ حال ، فقدم بيت المقدس فرأى رجلا حصريا فوقف ينظر ، فقال له الرجل : أتحسن هذه الصناعة ؟ قال : لا ، قال : فتكون عندي تناولني القش ؟ فأقام عنده مدة ، وتعلم صنعة الحصر ، وبقي يتقوت منها وأقام ببيت المقدس أعواما ، ثم رجع إلى الأندلس سنة أربع وعشرين وأربع مائة .

قال عزيز : هذا نص ما رواه مشايخ من أهل الأندلس ، ثم ذكر ما قاله أبو محمد بن حزم في كتاب نقط العروس ، قال : فضيحة لم يقع في الدهر على مثلها ، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام تسمى كل واحد منهم أمير المؤمنين ، وخطب لهم بها في زمن واحد ، أحدهم : خلف الحصري بإشبيلية على أنه هشام المؤيد ، والثاني : محمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء ، والثالث : محمد بن إدريس بن عليّ بن حمود بمالقة ، والرابع : إدريس بن يحيى بن عليّ بشنترين ، ثم قال أبو محمد بن حزم : أخلوقة لم يسمع بمثلها ، ظهر رجل يقال له خلف الحصري ، بعد نيف وعشرين سنة من موت هشام المؤيد بالله ، فادعى أنه هشام ، فبويع وخطب له على منابر الأندلس في أوقات شتى ، وسفكت الدماء ، وتصادمت الجيوش في أمره ، وأقام هذا الذي ادعي أنه هشام في الأمر نيفا وعشرين سنة ، والقاضي محمد كالوزير بين يديه . قلت : استبد القاضي بالأمر ، ولم يزل ملكا مستقلا إلى أن توفي في آخر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين ، ودفن بقصر إشبيلية ، وقام بالأمر بعده ولده المعتضد بالله أبو عمرو عباد . وقيل : إنما كان إقامة الذي زعم أنه هشام في أيام المعتضد ، وبقي المعتضد إلى سنة أربع وستين .

موقع حَـدِيث