أمير الجيوش الدزبري
أمير الجيوش الدزبري ، نوشتكين بن عبد الله ، الأمير المظفر سيف الخلافة عضد الدولة أبو منصور التركي ، أحد الشجعان المذكورين . مولده ببلاد الترك ، وحمل إلى بغداد ، ثم إلى دمشق في سنة أربع مائة ، فاشتراه القائد تزبر الديلمي ، فرأى منه شهامة مفرطة وصرامة ، وشاع ذكره فأهداه للحاكم المصري ، وقيل : بل جاء الأمر بطلبه منه في سنة ثلاث وأربع مائة ، فجعل في الحجرة ، فقهر من بها من المماليك ، وطال عليهم بالذكاء والنهضة ، فضربه متوليهم ، ثم لزم الخدمة وجعل يتودد إلى القواد ، فارتضاه الحاكم وأعجب به ، وأمره وبعثه إلى دمشق في سنة ست وأربع مائة فتلقاه مولاه دزبر ، فتأدب مع مولاه وترجل له ، ثم أعيد إلى مصر وجرد إلى الريف ، ثم عاد وولي بعلبك ، وحسنت سيرته ، وانتشر ذكره ، ثم طلب ، فلما بلغ العريش رد إلى ولاية قيسارية ، واتفق قتل فاتك متولي حلب سنة اثنتي عشرة ، قتله مملوك له هندي ، وولي أمير الجيوش فلسطين في أول سنة أربع عشرة ، فبلغ حسّان بن مفرج ملك العرب خبره ، فقلق وخاف . ولم يزل أمر أمير الجيوش في ارتفاع واشتهار ، وتمت له وقائع مع العرب فدوخهم وأثخن فيهم ، فعمل عليه حسان ، وكاتب فيه وزير مصر حسن بن صالح ، فقبض عليه بعسقلان بحيلة دبرت له في سنة سبع عشرة ، وسأل فيه سعيد السعداء ، فأجيب سؤاله إكراما له وأطلق ثم حسنت حاله ، وارتفع شأنه ، وكثرت غلمانه وخيله وإقطاعاته .
وبعد غيبته عن الشام أفسدت العرب فيها ، ثم صرف الوزير ووزر نجيب الدولة عليّ بن أحمد الجرجرائي ، فاقتضى رأيه تجريد عساكر مصر إلى الشام ، فقدم نوشتكين عليهم ، ولقبه بالأمير المظفر منتجب الدولة ، وجهز معه سبعة آلاف فارس وراجل ، فسار وقصد صالح بن مرداس وحسان بن مفرج ، فكان الملتقى في القحوانة فانهزمت العرب ، وقتل صالح ، فبعث برأسه إلى الحضرة ، فنفذت الخلع إلى نوشتكين ، وزادوا في ألقابه ، ثم توجه إلى حلب ونازلها ، ثم عاد إلى دمشق ، ونزل في القصر وأقام مدة ، ثم سار إلى حلب ، ففتحت له ، فأحسن إلى أهلها ورد المظالم وعدل . ثم تغير وشرب الخمر ، فجاء فيه سجل مصريّ ، فيه : أما بعد ، فقد عرف الحاضر والبادي حال نوشتكين الدزبري الخائن ، ولما تغيرت نيته سلبه الله نعمته ، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ، فضاق صدره وقلق ، ثم جاءه كتاب فيه توبيخ وتهديد ، فعظم عليه ، ورأى من الصواب إعادة الجواب بالتنصل والتلطف ، فكتب : من عبد الدولة العلوية والإمامة الفاطمية ، متبرئا من ذنوبه الموبقة ، وإساءاته المرهقة ، لائذا بعفو أمير المؤمنين ، عائذا بالكرم ، صابرا للحكم ، وهو تحت خوف ورجاء ، وتضرع ودعاء ، وقد ذلت نفسه بعد عزها ، وخافت بعد أمنها . إلى أن قال : وليس مسير العبد إلى حلب ينجيه من سطوات مواليه .
ونفذ هذا الجواب وطلع إلى قلعة حلب ، فحم وطلب طبيبا ، فوصف له مسهلا ، فلم يفعل يشربه ، ولحقه فالج في يده ورجله ، ومات بعد أيام من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين بحلب ، وخلف من الذهب العين ست مائة ألف دينار ونيفا .