مجاهد بن عبد الله
مجاهد بن عبد الله ، السلطان أبو الجيش الأندلسي العامريّ الملقب بالموفق ، مولى النّاصر عبد الرحمن ابن المنصور أبي عامر وزير الأندلس . ذكره الحميدي ، فقال : كان من أهل الأدب والشجاعة والمحبة للعلوم . نشأ بقرطبة وكانت له همّة وجلادة وجرأة ، فلمّا جاءت أيام الفتنة وتغلّبت العساكر على النّواحي بذهاب دولة مولاه ، توثب هو على شرق الأندلس ، وغلب على تلك الجزائر وحماها ، ثم قصد منها في المراكب والعساكر إلى سردانية ، جزيرة كبيرة للروم ، سنة سبع وأربع مائة ، فافتتح معاقلها وغلب على أكثرها ، ثم اختلفت عليه أهواء جنده ، وجاءت نجدة الروم وقد عزم على الخروج من سردانية طمعا في أن يفرّق من يشغب عليه ، فدهمته الملاعين في جحفلهم ، وغلبوا على أكثر مراكبه ، فحدثنا ابن حزم قال : حدَّثني ثابت بن محمد الجرجانيّ قال : كنتُ مع أبي الجيش أيام غزو سردانية ، فدخل بالمراكب في مرسى نهاه عنه أبو خروب رئيس البحريين ، فلم يقبل منه ، فلمّا حصل في ذلك المرسى هبت ريحٌ جعلت تقذف مراكب المسلمين مركبا مركبا إلى الريف ، والروم لا شغل لهم إلا الأسر والقتل ، فكلما ملكوا مركبا بكى مجاهد بأعلى صوته ولا يقدر على شيء لارتجاج البحر ، وأبو خروب ينشد : بكى دوبل لا أرقأَ اللهُ دمعه ألا إنّما يبكي من الذّلّ دوبلُ ويقول : قد كنت حذرته من الدخول هنا فأبى .
ثم تخلصنا في يسير من المراكب . قال الحميدي : ثم عاد مجاهد إلى الأندلس ، واختلفت به الأحوال حتّى تملك دانية وما يليها واستقّر بها ، وكان من الأجواد العلماء ، باذلا للمال في استمالة الأُدباء ، فبذل لأبي غالب تمّام بن غالب اللغويّ ألف دينار على أن يزيد في ترجمة الكتاب الذي ألفه في اللّغة ما ألفه لأبي الجيش مجاهد ، فامتنع أبو غالب وقال : ما ألّفته له . وفيه يقول صاعد بن الحسن اللغويّ ، وقد استماله على البعد بمال ، قصيدته : أتتني الخريطةُ والمركبُ كما اقترنَ السَّعدُ والكوكبُ وحُطَ بمينائه قِلعُهُ كما وضَعت حملها المُقربُ على ساعة قام فيها الثّناءُ على هامة المشتري يخطبُ مجاهدُ رُضْتَ إِباءَ الشَّمُو س فاصحب ما لم يكُن يصحبُ فقلْ واحتكمْ فسميعُ الزّما نِ مصيخٌ إليك بما ترغبُ وقد ألف مجاهد كتابا في العروض يدلّ على فضائله .
وقد وزر له أبو العباس أحمد بن رشيق . توفي بدانية سنة ست وثلاثين .