إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عابد بن عامر
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عابد بن عامر ، أبو عثمان الصابوني النيسابوري الواعظ المفسر ، شيخ الإسلام . حدث عن زاهر بن أحمد السرخسي ، وأبي سعيد عبد الله بن محمد الرازي ، والحسن بن أحمد المخلدي ، وأبي بكر بن مهران المقرئ ، وأبي طاهر بن خزيمة ، وأبي الحسين الخفاف ، وعبد الرحمن بن أبي شريح ، وطبقتهم . روى عنه عبد العزيز الكتاني ، وعلي بن الحسين بن صصرى ، ونجا بن أحمد ، وأبو القاسم المصيصي ، ونصر الله الخشنامي ، وأبو بكر البيهقي ، وخلق كثير آخرهم أبو عبد الله الفراوي .
قال البيهقي : أخبرنا إمام المسلمين حقا ، وشيخ الإسلام صدقا أبو عثمان الصابوني ، ثم ذكر حكاية . وقال أبو عبد الله المالكي ، أبو عثمان الصابوني ممن شهدت له أعيان الرجال بالكمال في الحفظ ، والتفسير ، وغيرهما . وقال عبد الغافر في سياق تاريخ نيسابور : إسماعيل الصابوني الأستاذ ، شيخ الإسلام ، أبو عثمان الخطيب المفسر الواعظ ، المحدث ، أوحد وقته في طريقه ، وعظ المسلمين سبعين سنة ، وخطب وصلى في الجامع نحوا من عشرين سنة ، وكان حافظا كثير السماع والتصنيف ، حريصا على العلم .
سمع بنيسابور ، وهراة ، وسرخس ، والشام ، والحجاز ، والجبال ، وحدث بخراسان ، والهند ، وجرجان ، والشام ، والثغور ، والقدس ، والحجاز ، ورُزِق العز والجاه في الدين والدنيا ، وكان جمالا للبلد ، مقبولا عند الموافق والمخالف ، مجمع على أنه عديم النظير ، وسيف السنة ، ودامغ أهل البدعة ، وكان أبوه أبو نصر من كبار الواعظين بنيسابور ، ففتك به لأجل المذهب ، وقتل وهذا الإمام صبي ابن تسع سنين ، فأقعد بمجلس الوعظ مقام أبيه ، وحضر أئمة الوقت مجالسه ، وأخذ الإمام أبو الطيب الصعلوكي في ترتيبه وتهيئة شأنه ، وكان يحضر مجالسه ، هو والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ، والأستاذ أبو بكر بن فورك ، ويتعجبون من كمال ذكائه وحسن إيراده ، حتى صار إلى ما صار إليه ، وكان مشتغلا بكثرة العبادات والطاعات ، حتى كان يضرب به المثل . وقال الحسين بن محمد الكتبي في تاريخه : توفي أبو عثمان في المحرم ، وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ، وأول مجلس عقده للوعظ بعد قتل والده في سنة اثنتين وثمانين . وفي معجم السفر للسلفي : سمعتُ الحسن بن أبي الحر بن سعادة بثغر سلماس يقول : قدم أبو عثمان الصابوني بعد حجه ، ومعه أخوه أبو يعلى في أتباع ودواب ، فنزل على جدي أحمد بن يوسف بن عمر الهلالي ، فقام بجميع مؤنه ، وكان يعقد المجلس كل يوم ، وافتتن الناس به ، وكان أخوه فيه دعابة ، وسمعتُ أبا عثمان وقت أن ودع الناس يقول : يا أهل سلماس ، لي عندكم أشهر أعظ وأنا في تفسير آية وما يتعلق بها ، ولو بقيت عندكم تمام سنة ، لما تعرضت لغيرها والحمد لله .
قلت : هكذا كان والله شيخنا ابن تيمية ، بقي أزيد من سنة يفسر في سورة نوح ، وكان بحرا لا تكدره الدلاء رحمه الله . وقال عبد الغافر : حكى الثقات أن أبا عثمان كان يعظ ، فدفع إليه كتابُ ورد من بخارى مشتمل على ذكر وباء عظيم وقع بها ليدعى على رؤوس الملأ في كشف ذلك البلاء عنهم ، ووصف في الكتاب أن رجلا أعطى دراهم لخباز يشتري خبزا ، فكان يزنها والصانع يخبز ، والمشتري واقف ، فمات الثلاثة في ساعة . فلما قرأ الكتاب هاله ذلك ، فاستقرأ من القارئ قوله تعالى : أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ الآيات ونظائرها ، وبالغ في التخويف والتحذير ، وأثر ذلك فيه وتغير في الحال ، وغلبه وجع البطن من ساعته ، وأنزل من المنبر ، فكان يصيح من الوجع ، وحمل إلى الحمام ، فبقي إلى قريب المغرب ، فكان يتقلب ظهرا لبطن ، وبقي سبعة أيام لم ينفعه علاج ، فأوصى وودع أولاده وتوفي ، وصلي عليه عصر يوم الجمعة رابع المحرم ، وصلى عليه ابنه أبو بكر ، ثم أخوه أبو يعلى إسحاق .
وقد طول عبد الغافر ترجمة شيخ الإسلام وأطنب في وصفه ، وقال : قال فيه البارع الزوزني : ماذا اختلاف الناس في متفنن لم يبصروا للقدح فيه سبيلا والله ما رقى المنابر خاطب أو واعظ كالحبر إسماعيلا وقال : قرأت في كتاب كتبه الإمام زين الإسلام من طوس في تعزية شيخ الإسلام يقول فيه : أليس لم يجسر مفتر أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقته ؟ أليست السنة كانت بمكانة منصورة ، والبدعة لفرط حشمته مقهورة ؟ أليس كان داعيا إلى الله هاديا عباد الله ، شابا لا صبوة له ، ثم كهلا لا كبوة له ، ثم شيخا لا هفوة له ؟ يا أصحاب المحابر ، حطوا رحالكم ، فقد استتر بجلال التراب من كان عليه إلمامكم ، ويا أرباب المنابر ، أعظم الله أجوركم ، فقد مضى سيدكم وإمامكم . وقال الكتاني : ما رأيت شيخا في معنى أبي عثمان الصابوني زهدا وعلما . كان يحفظ من كل فن لا يقعد به شيء ، وكان يحفظ التفسير من كتب كثيرة ، وكان من حفاظ الحديث .
قلت : ولأبي عثمان مصنف في السنة واعتقاد السلف ، أفصح فيه بالحق ، فرحمه الله ورضي عنه . وقال الحافظ ابن عساكر : سمعت معمر بن الفاخر يقول : سمعت عبد الرشيد بن ناصر الواعظ بمكة يقول : سمعتُ إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي يقول : سمعت الإمام أبا المعالي الجويني قال : كنت بمكة أتردد في المذاهب ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : عليك باعتقاد ابن الصابوني . وقال عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر : حكى المقرئ الصالح محمد بن عبد الحميد الأبيوردي عن الإمام أبي المعالي الجويني أنه رأى في المنام كأنه قيل له : عد عقائد أهل الحق .
قال : فكنت أذكرها إذ سمعت نداء كان مفهومي منه أني أسمعه من الحق تبارك وتعالى يقول : ألم نقل : إن ابن الصابوني رجل مسلم ؟ قال عبد الغافر : ومن أحسن ما قيل فيه أبيات للإمام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي : أودى الإمام الحبر إسماعيل لهفي عليه ليس منه بديل بكتِ السما والأرض يوم وفاته وبكى عليه الوحي والتنزيل والشمس والقمر المنير تناوحا حزنا عليه وللنجوم عويل والأرض خاشعة تبكي شجوها ويلي تولول : أين إسماعيل ؟ أين الإمام الفرد في آدابه ما إن له في العالمين عديل لا تخدعنك منى الحياة فإنها تلهي وتنسي والمنى تضليل وتأهبن للموت قبل نزوله فالموت حتم والبقاء قليل