حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد

محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد . القاضي أبو يعلى ابن الفراء البغدادي الحنبلي ، كبير الحنابلة . ولد في أول سنة ثمانين وثلاثمائة .

وسمع أبا الحسن الحربي ، وإسماعيل بن سويد ، وأبا القاسم بن حبابة ، وعيسى بن الوزير ، وابن أخي ميمي ، وأبا طاهر المخلص ، وأم الفتح بنت أحمد بن كامل ، وأبا الطيب بن منتاب ، وابن معروف ، وجماعة . وأملى مجالس . روى عنه أبو بكر الخطيب ، وابنه القاضي أبو الحسين محمد ، وأبو الخطاب الكلوذاني ، وأبو الوفاء بن عقيل ، وأبو غالب ابن البناء ، وأخوه يحيى ابن البناء وأبو العز بن كادش ، وأبو بكر قاضي المارستان .

وآخر من روى عنه أبو سعد أحمد بن محمد بن علي الزوزني الصوفي فيما علمت . وروى عنه من القدماء أبو علي الأهوازي ، وبين وفاته ووفاة هذا تسعون سنة . قال الخطيب : ولأبي يعلى تصانيف على مذهب أحمد .

ودرس وأفتى سنين كثيرة . وولي القضاء بحريم دار الخلافة . وكان ثقة .

وتوفي في شهر رمضان في تاسع عشره . وذكره ابنه أبو الحسين في كتاب الطبقات له فقال : كان عالم زمانه ، وفريد عصره ، ونسيج وحده ، وقريع دهره . وكان له في الأصول والفروع القدم العالي ، وفي شرف الدين والدنيا المحل السامي ، والحظ الرفيع عند الإمامين القادر ، والقائم ، وأصحاب الإمام أحمد له يتبعون ، ولتصانيفه يدرسون ، وبقوله يفتون ، وعليه يعولون .

والفقهاء على اختلاف مذاهبهم كانوا عنده يجتمعون ، ولمقاله يسمعون ، وبه ينتفعون . وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال ، لا سيما مذهب الإمام أحمد ، واختلافات الروايات عنه ، وما صح لديه منه ، مع معرفته بالقرآن وعلومه ، والحديث ، والفتاوى ، والجدل ، وغير ذلك من العلوم ، مع الزهد ، والورع ، والعفة والقناعة ، والانقطاع عن الدنيا وأهلها ، واشتغاله بالعلم ونشره . وكان أبوه أحد شهود الحضرة ، قد درس على الفقيه أبي بكر الرازي مذهب أبي حنيفة ، وتوفي سنة تسعين ، وكان سن الوالد إذ ذاك عشر سنين إلا أياما ، وكان وصيه رجل يعرف بالحربي يسكن بدار القز ، فنقله من باب الطاق إلى شارع دار القز وفيه مسجد يصلي فيه شيخ يعرف بابن مفرحة المقرئ يقرئ القرآن ، ويلقن العبادات من مختصر الخرقي فلقن الوالد ما جرت عادته ، فاستزاده ، فقال : إن أردت الزيادة فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد ، فإنه شيخ الطائفة ، ومسجده بباب الشعير .

فمضى الوالد إليه ، وصحبه إلى أن توفي ابن حامد سنة ثلاث وأربعمائة ، وتفقه عليه . ولما خرج ابن حامد إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة سأله محمد بن علي : على من ندرس ؟ وإلى من نجلس ؟ فقال : إلى هذا الفتى . وأشار إلى الوالد .

وقد كان لابن حامد أصحاب كثر ، فتفرس في الوالد ما أظهره الله عليه . وأول سماعه للحديث سنة خمس وثمانين وثلاثمائة من السكري ، ومن موسى بن عيسى السراج ، وأبي الحسن علي بن معروف . وسمى جماعة ، ثم قال : ومن أبيه ، ومن القاضي أبي محمد ابن الأكفاني ، ومن أبي نصر بن الشاه .

وسمع بمكة ، ودمشق ، وحلب . قلت : سمع بدمشق من عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي . قال : وابتدأ بالتدريس والتصنيف بعد وفاة ابن حامد وحج سنة أربع عشرة وأربعمائة .

قال : ولو بالغنا في وصفه لكنا إلى التقصير فيما نذكره أقرب . إذ انتشر على لسان الخطير والحقير ذكر فضله . قصده الشريف أبو علي بن أبي موسى دفعات ليشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله بن ماكولا ، ويكون ولد القاضي أبي علي أبو القاسم تابعا له ، فأبى عليه ، فمضى الشريف إلى أبي القاسم بن بشران ، وسأله أن يشهد مع ولده ، وقد كان ابن بشران قد ترك الشهادة ، فأجابه .

وتوفي الشريف أبو علي سنة ثمان وعشرين ، ثم تكررت سؤالات ابن ماكولا إلى الوالد أن يشهد عنده ، فأجاب وشهد كارها لذلك . وحضر الوالد دار الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة مع الزاهد أبي الحسن القزويني لفساد قولٍ جرى من المخالفين لما شاع قراءة كتاب إبطال التأويل ، فخرج إلى الولد الاعتقاد القادري في ذلك بما يعتقده الوالد . وكان قبل ذلك قد التمس منه حمل كتاب إبطال التأويل ليتأمل ، فأعيد إلى الوالد وشكر له تصنيفه .

وذكر بعض أصحاب الوالد أنه كان حاضرا في ذلك اليوم فقال : رأيت قارئ التوقيع الخارج من القائم بأمر الله قائما على قدميه ، والموافق والمخالف بين يديه ، ثم أخذت في تلك الصحيفة خطوط الحاضرين من العلماء على اختلاف مذاهبهم ، وجعلت كالشرط المشروط . فكتب أولا القزويني : هذا قول أهل السنة ، وهو اعتقادي . وكتب الوالد بعده ، والقاضي أبو الطيب الطبري ، وأعيان الفقهاء بين موافق ومخالف .

قال : ثم توفي ابن القزويني سنة اثنتين وأربعين ، وخصومنا عالم كثير ، فجرت أمور فحضر الوالد سنة خمس وأربعين دار الخلافة ، فجلس أبو القاسم علي رئيس الرؤساء ، ومعه خلق من كبار الفقهاء والرؤساء ، فقال أبو القاسم على رؤوس الأشهاد : القرآن كلام الله ، وأخبار الصفات تمر كما جاءت . وأصلح بين الفريقين . فلما توفي قاضي القضاة ابن ماكولا راسل رئيس الرؤساء الوالد ليلي القضاء بدار الخلافة والحريم ، فأبى فكرر عليه السؤال ، فاشترط عليهم أن لا يحضر أيام المواكب ، ولا يقصد دار السلطان ، ويستخلف على الحريم فأجيب .

وكان قد ترشح لقضاء الحريم القاضي أبو الطيب . ثم أضيف إلى الوالد قضاء حران وحلوان ، فاستناب فيهما . وقال تلميذه علي بن نصر العكبري : رفع الله راية الإسلام حين ردت إلى الأجل الإمام التقي النقي ذي المنطق الصا ئب في كل حجة وكلام خائف مشفق إذا حضر الخصما ن يخشى من هول يوم الخصام في أبيات .

ولم يزل جاريا على سديد القضاء وإنفاذ الأحكام حتى توفي . ولو شرحنا قضاياه السديدة لكانت كتابا قائما بنفسه . وقد قرأ القرآن بالقراءات العشر ، ولقد حضر الناس مجلسه وهو يملي الحديث على كرسي عبد الله ابن إمامنا أحمد .

فكان المبلغون عنه والمستملون ثلاثة : خالي أبو محمد ، وأبو منصور الأنباري ، وأبو علي البرداني . وأخبرني جماعة من الفقهاء ممن حضر الإملاء أنهم سجدوا على ظهور الناس ، لكثرة الزحام في صلاة الجمعة . وحزر العدد بالألوف .

وكان يوما مشهودا . وحضرت أنا أكثر أماليه . وكان يقسم ليله أقساما : قسم للمنام ، وقسم للقيام ، وقسم لتصنيف الحلال والحرام .

ومن شاهد ما كان عليه من السكينة والوقار ، وما كسا الله وجهه من الأنوار ، شهد له بالدين والفضل ضرورة . وتفقه عليه : أبو الحسن البغدادي ، والشريف أبو جعفر الهاشمي ، وأبو الغنائم ابن الغباري ، وأبو علي ابن البناء ، وأبو الوفاء ابن القواس ، وأبو الحسن النهري ، وأبو الوفاء بن عقيل ، وأبو الحسن بن جدا العكبري ، وأبو الخطاب الكلوذاني ، وأبو يعلى الكيال ، وأبو الفرج المقدسي . ثم سمى جماعة .

قال : ومصنفاته كثيرة ، فمنها : أحكام القرآن ، ومسائل الإيمان والمعتمد ومختصره والمقتبس و عيون المسائل ، و الرد على الأشعرية ، والرد على الكرامية ، والرد على المجسمة ، والرد على السالمية ، وإبطال التأويلات لأخبار الصفات ، ومختصره والانتصار لشيخنا أبي بكر ، والكلام في الاستواء والكلام في حروف المعجم ، وأربع مقدمات في أصول الديانات ، والعدة في أصول الفقه ، ومختصرها ، والكفاية في أصول الفقه ، ومختصرها ، وفضائل أحمد ، وكتاب الطب ، وكتاب اللباس ، وكتاب الأمر بالمعروف ، وشروط أهل الذمة ، والتوكل ، وذم الغناء ، والاختلاف في الذبيح ، وتفضيل الفقر على الغنى ، وفضل ليلة الجمعة على ليلة القدر ، وإبطال الحيل ، والمجرد في المذهب ، وشرح الخرقي ، وكتاب الراويتين ، وقطعة من الجامع الكبير . والجامع الكبير ، وشرح المذهب ، والخصال ، والأقسام ، وكتاب الخلاف الكبير . وقد حمل الناس عنه علما كثيرا ، وهو مستغن باشتهار فضله عن الإطناب في وصفه .

توفي فصلى عليه أخي أبو القاسم ، فقيل إنه لم ير في جنازة بعد جنازة أبي الحسن القزويني الجمع الذي حضر جنازته . وسمعت أبا الحسن النهري يقول : لما قدم الوزير ابن دارست عبرتُ أبصرته ، ففاتني الدرس ، فلما جئت قلت للقاضي : يا سيدي تتفضل وتعيد لي الدرس . فقال : أين كنت ؟ قال : مضيت أبصرت ابن دارست .

فقال : ويحك ، تمضي وتنظر إلى الظلمة ؟ وعنفني . قال : وكان ينهانا دائما عن مخالطة أبناء الدنيا ، وعن النظر إليهم والاجتماع بهم ، ويأمر بالاشتغال بالعلم ومجالسة الصالحين . سمعتُ خالي عبد الله يقول : حضرت مع والدك في دار رئيس الرؤساء بعد مجيء طغرلبك ، وقد أنفذ إليه غير مرة ليحضر ، فلما حضر زاد في إكرامه ، وأجلسه إلى جانبه ، وقال له : لم يزل بيت المسلمة وبيت الفراء ممتزجين ، فما هذا الانقطاع ؟ فقال له القاضي : روي عن إبراهيم الحربي أنه استزاره المعتضد ، وقربه وأجازه ، فرد جائزته ، فقال له : اكتم مجلسنا ، ولا تخبر بما فعلنا بك ولا بماذا قابلتنا .

فقال : لي إخوان لو علموا باجتماعي بك هجروني . قال : فقال له رئيس الرؤساء كلاما أسره إليه ، ومد كمه إليه ، فتأخر القاضي عنه ، وسمعته يقول : أنا في كفاية ودعة . فقلت له : يا سيدنا ما قال لك ؟ قال : قال لي : معي شوي من بقية ذلك الإرث المستطاب ، وأحب أن تأخذه .

فقلت : أنا في كفاية . سمعتُ بعض أصحابنا يحكي ، قال : لما حصب القائم وعوفي ، حضر الشيخ أبو منصور بن يوسف عند الوالد ، وقال له : لو سهل عليك أن تمضي إلى باب الغربة ، لتهنئ الخليفة بالعافية . فمضى إلى هنالك ، فخرج إليه الحاجب ، ومعه جائزة سنية ، وعرفه شكر الإمام لسعيه ، وتبركه بدعائه ، وسأله قبول ذلك .

قال : فوالله ما مسها ، ولا قبلها . سمعتُ جماعة من أهلي أن في سنة إحدى وخمسين وقع النهب بالجانب الغربي ، انتقل الوالد ، وكان في بيته خبز يابس ، فنقله معه ، وترك نقل رحله ، لتعذر من يحمله ، فكان يقتات منه ، وقال : هذه الأطعمة اليوم نهوب وغصوب ، ولا آكل من ذلك شيئا . فبقي ما شاء الله يتقوت من ذلك الخبز اليابس ، ولحقه منه مرض .

وكان الوالد يختم في المسجد في كل ليلة جمعة ويدعو ، ما أخل بهذا سنين عديدة إلا لعذر . ولعل يقول ناظر في هذا : كيف استجاز مدح والده ؟ فإنما حملنا على ذلك كثرة قول المخالفين ، وما يلقون إلى تابعيهم من الزور والبهتان ، ويتخرصون على هذا الإمام من التحريف والعدوان . أنشدني بعض أصحابه ، فقال : من اقتنى وسيلةً وذخرا يرجو بها مثوبة وأجرا فحجتي يوم أوافي الحشرا معتقدي عقيدة ابن الفرا قال أبو الحسين : اعلم ، زادنا الله وإياك علما ينفعنا به ، وجعلنا ممن آثر الآيات الصريحة ، والأحاديث الصحيحة ، على آراء المتكلمين ، وأهواء المتكلفين ، أن الذي درج عليه صالحو السلف التمسك بكتاب الله ، واتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم ما روي عن الصحابة ، ثم عن التابعين والخالفين لهم من علماء المسلمين : الإيمان والتصديق بكل ما وصف الله به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، مع ترك البحث والتنقير ، والتسليم لذلك ، من غير تعطيل ، ولا تشبيه ، ولا تفسير ، ولا تأويل ، وهي الطائفة المنصورة ، والفرقة الناجية ، فهم أصحاب الحديث والأثر ، والوالد تابعهم .

هم خلفاء الرسول ، وورثة حكمته ، بهم يلحق التالي ، وإليهم يرجع الغالي . وهم الذين نبزهم أهل البدع والضلال أنهم مشبهة جهال ؛ فاعتقاد الوالد وسلفه أن إثبات الصفات إنما هو إثبات وجود ، لا إثبات تحديد وكيفية ، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية ، ولا يدرك حقيقة علمها بالفكر والروية . فالحنبلية لا يقولون في الصفات بتعطيل المعطلة ، ولا بتشبيه المشبهين ، ولا بتأويل المتأولين .

بل مذهبهم حق بين باطلين ، وهدى بين ضلالتين . إثبات الأسماء والصفات ، مع نفي التشبيه والأدوات ، على أن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقد قال الوالد في أخبار الصفات : المذهب في ذلك قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به ، من غير عدول عنه إلى تأويل يخالف ظاهرها ، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه بخلاف كل شيء سواه . وكل ما يقع في الخواطر من تشبيه أو تكييف ، فالله يتعالى عن ذلك .

والله ليس كمثله شيء ، لا يوصف بصفات المخلوقين الدالة على حدثهم ، ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغيير ، ليس بجسم ، ولا جوهر ، ولا عرض ، وأنه لم يزل ولا يزال ، وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين . قلت : لم يكن للقاضي أبي يعلى خبرة بعلل الحديث ولا برجاله ، فاحتج بأحاديث كثيرة واهية في الأصول والفروع لعدم بصره بالأسانيد والرجال . وقد حط عليه صاحب الكامل فقال : هو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة ، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض ، تعالى الله عن ذلك .

وأما في الفقه ومعرفة مذاهب الناس ، ومعرفة نصوص أحمد ، رحمه الله ، واختلافها ، فإمام لا يدرك قراره ، رحمه الله تعالى .

موقع حَـدِيث