حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ثلاث وستين وأربعمائة

سنة ثلاث وستين وأربعمائة . فيها خطب محمود ابن شبل الدولة ابن صالح الكلابي صاحب حلب بها للخليفة القائم وللسلطان ألب أرسلان عندما رأى من قوة دولتهما وإدبار دولة المستنصر ، فقال للحلبيين : هذه دولة عظيمة نحن تحت الخوف منها ، وهم يستحلون دماءكم لأجل مذهبكم ، يعني التشيع . فأجابوا ولبس المؤذنون السواد .

فأخذت العامة حصر الجامع ، وقالوا : هذه حصر الإمام علي ، فليأت أبو بكر بحصر يصلي عليها الناس . فبعث الخليفة القائم له الخلع مع طراد الزينبي نقيب النقباء . ثم سار ألب أرسلان إلى حلب من جهة ماردين ، فخرج إلى تلقيه من ماردين صاحبها نصر بن مروان ، وقدم له تحفاً .

ووصل إلى آمد فرآها ثغراً منيعاً فتبرك به ، وجعل يمر يده على السور ويمسح بها صدره . ثم حاصر الرها فلم يظفر بها ، فترحل إلى حلب وبها طراد بالرسالة ، فطلب منه محمود الخروج منه إلى السلطان ، وأن يعفيه من الخروج إليه . فخرج وعرف السلطان بأنه قد لبس خلع القائم وخطب له .

فقال : أيش تسوى خطبتهم ويؤذنون بحي على خير العمل ؟ ولا بد أن يدوس بساطي . فامتنع محمود فحاصره مدة ، فخرج محمود ليلة بأمه ، فدخلت وخدمت وقالت : هذا ولدي فافعل به ما تحب . فعفا عنه وخلع عليه ، وقدم هو تقادم جليلة ، فترحل عنه .

وفيها الوقعة العظيمة بين الإسلام والروم ؛ قال عز الدين في كامله : فيها خرج أرمانوس طاغية الروم في مائتي ألف من الفرنج والروم والبجاك والكرج ، وهم في تجمل عظيم ، فقصد بلاد الإسلام ، ووصل إلى منازكرد بليدة من أعمال خلاط . وكان السلطان ألب أرسلان بخوي من أعمال أذربيجان قد عاد من حلب ، فبلغه كثرة جموعهم وليس معه من عساكره إلا خمسة عشر ألف فارس ، فقصدهم وقال : أنا ألتقيهم صابراً محتسباً ، فإن سلمت فبنعمة الله ، وإن كانت الشهادة فابني ملكشاه ولي عهدي . فوقعت مقدمته على مقدمة أرمانوس فانهزموا وأسر المسلمون مقدمهم ، فأحضر إلى السلطان فجدع أنفه ، فلما تقارب الجمعان أرسل السلطان يطلب المهادنة ، فقال أرمانوس : لا هدنة إلا بالري .

فانزعج السلطان فقال له إمامه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي : إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان . وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح . فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر ، فإنهم يدعون للمجاهدين .

فلما كان تلك الساعة صلى بهم ، وبكى السلطان ، فبكى الناس لبكائه ، ودعا فأمنوا ، فقال لهم : من أراد الانصراف فلينصرف ، فما هاهنا سلطان يأمر ولا ينهى . وألقى القوس والنشاب ، وأخذ السيف ، وعقد ذنب فرسه بيده ، وفعل عسكره مثله ، ولبس البياض وتحنط ، وقال : إن قتلت فهذا كفني ، وزحف إلى الروم ، وزحفوا إليه ، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب ، وبكى ، وأكثر الدعاء ، ثم ركب وحمل الجيش معه ، فحصل المسلمون في وسطهم ، فقتلوا في الروم كيف شاؤوا ، وأنزل الله نصره ، وانهزمت الروم ، وقتل منهم ما لا يحصى ، حتى امتلأت الأرض بالقتلى ، وأسر ملك الروم ، أسره غلام لكوهرايين فأراد قتله ولم يعرفه ، فقال له خدم مع الملك : لا تقتله فإنه الملك . وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرايين على نظام الملك ، فرده استحقاراً له ، فأثنى عليه أستاذه عند نظام الملك ، فقال نظام الملك : عسى يأتينا بملك الروم أسيراً .

فكان كذلك . ولما أحضره إلى بين يدي السلطان ألب أرسلان ضربه ثلاث مقارع بيده وقال : ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت ؟ فقال : دعني من التوبيخ وافعل ما تريد . قال : ما كان عزمك أن تفعل بي لو أسرتني ؟ قال : أفعل القبيح .قال : فما تظن أنني أفعل بك ؟ قال : إما أن تقتلني ، وإما أن تشهرني في بلادك ، والأخرى بعيدة ، وهي العفو ، وبذل الأموال ، واصطناعي .

قال له : ما عزمت على غير هذه .ففدى نفسه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار ، وأن ينفذ إليه عسكره كلما طلبه ، وأن يطلق كل أسير في مملكته . وأنزله في خيمة ، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار ليتجهز بها ، وخلع عليه وأطلق له جماعة من البطارقة ، فقال أرمانوس : أين جهة الخليفة ؟ فأشاروا له ، فكشف رأسه وأومأ إلى الجهة بالخدمة ، وهادنه السلطان خمسين سنة ، وشيعه مسيرة فرسخ . وأما الروم - لعنهم الله - فلما بلغهم أنه أسر ملكهم ملكوا عليهم ميخائيل ، فلما وصل أرمانوس إلى طرف بلاده بلغه الخبر ، فلبس الصوف وأظهر الزهد ، وجمع ما عنده من المال ، فكان مائتي ألف دينار وجوهر بتسعين ألف دينار ، فبعث به ، وحلف أنه لا بقي يقدر على غير ذلك .

ثم إن أرمانوس استولى على بلاد الأرمن . وكانت هذه الملحمة من أعظم فتح في الإسلام ، ولله الحمد . قال : وفيها سار آتسز بن أبق الخوارزمي من أحد أمراء ألب أرسلان في طائفة من الأتراك ، فدخل الشام ، فافتتح الرملة ، ثم حاصر بيت المقدس وبه عسكر المصريين فافتتحه ، وحاصر دمشق ، وتابع النهب لأعمالها حتى خربها ، وثبت أهل البلد فرحل عنه .

قلت : ولكن خرب الأعمال ورعى الزرع عدة سنين حتى عدمت الأقوات بدمشق ، وعظم الخطب والبلاء ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .

موقع حَـدِيث