حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة خمس وستين وأربعمائة

سنة خمس وستين وأربعمائة . فيها قتل السلطان ألب أرسلان ، وقام في الملك ولده ملكشاه . فسار أخو السلطان قاروت بك صاحب كرمان بجيوشه يريد الاستيلاء على السلطنة ، فسبقه إلى الري السلطان ملكشاه ونظام الملك ، فالتقوا بناحية همذان في رابع شعبان ، فانتصر ملكشاه ، وأسر عمه قاروت ، فأمر بخنقه بوتر فخنق ، وأقر مملكته على أولاده .

ورد الأمور في ممالكه إلى نظام الملك ، وأقطعه أقطاعاً عظيمة ، من جملتها مدينة طوس ، ولقبه الأتابك ، ومعناه الأمير الوالد . وظهرت شجاعته وكفايته ، وحسن سيرته . وفيها ، وفي حدودها وقعت فتنة عظيمة بين جيش المستنصر العبيدي ، فصاروا فئتين : فئة الأتراك والمغاربة ، وقائد هؤلاء ناصر الدولة ، أبو عبد الله الحسين بن حمدان ، من أحفاد صاحب الموصل ناصر الدولة ابن حمدان ، وفئة العبيد وعربان الصعيد .

فالتقوا بكوم الريش ، فانكسر العبيد ، وقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفاً ، وكانت وقعة مشهودة . وقويت نفوس الأتراك ، وعرفوا حسن نية المستنصر لهم ، وتجمعوا وكثروا ، فتضاعفت عدتهم ، وزادت كلف أرزاقهم ، فخلت الخزائن من الأموال ، واضطربت الأمور ، فتجمع كثير من العسكر ، وساروا إلى الصعيد ، وتجمعوا مع العبيد ، وجاؤوا إلى الجيزة ، فالتقوا هم والأتراك عدة أيام ، ثم عبر الأتراك إليهم النيل مع ناصر الدولة ابن حمدان ، فهزموا العبيد . ثم إنهم كاتبوا أم المستنصر واستمالوها ، فأمرت من عندها من العبيد بالفتك بالمقدمين ، ففعلوا ذلك ، فهرب ناصر الدولة ، والتفت عليه الأتراك ، فالتقوا ودامت الحرب ثلاثة أيام بظاهر مصر ، وحلف ابن حمدان لا ينزل عن فرسه ولا يذوق طعاماً حتى ينفصل الحال .

فظفر بالعبيد ، وأكثر القتل فيهم ، وزالت دولتهم بالقاهرة ، وأخذت منهم الإسكندرية ، وخلت الدولة للأتراك ، فطمعوا في المستنصر ، وقلت هيبته عندهم ، وخلت خزائنه البتة .فطلب ابن حمدان العروض ، فأخرجت إليهم ، وقومت بأبخس ثمن ، وصرفت إلى الجند . فقيل : إن نقد الأتراك كان في الشهر أربعمائة ألف دينار . وأما العبيد فغلبوا على الصعيد ، وقطعوا السبل ، فسار إليهم ابن حمدان ، ففروا منه إلى الصعيد الأعلى ، فقصدهم وحاربهم ، فهزموه .

وجاء الفل إلى القاهرة . ثم نصر عليهم وعظم شأنه ، واشتدت وطأته ، وصار هو الكل ، فحسده أمراء الترك لكثرة استيلائه على الأموال ، وشكوه إلى الوزير ، فقوى نفوسهم عليه وقال : إنما ارتفع بكم . فعزموا على مناجزته ، فتحول إلى الجيزة ، فنهبت دوره ودور أصحابه ، وذل وانحل نظامه .

فدخل في الليل إلى القائد تاج الملوك شاذي واستجار به ، وحالفه على قتل الأمير إلدكز ، والوزير الخطير . فركب إلدكز فقتل الوزير . ونجا إلدكز ، وجاء إلى المستنصر فقال : إن لم تركب وإلا هلكت أنت ونحن .

فركب في السلاح ، وتسارع إليه الجند والعوام ، وعبى الجيش ، فحملوا على ابن حمدان فانكسر واستحر القتل بأصحابه ، وهرب فأتى بني سنبس ، وتبعه فل أصحابه ، فصاهر بني سنبس وتقوى بهم ، فسار الجيش لحربه ، فأراد أحد المقدمين أن يفوز بالظفر ، فناجزه بعسكره ، والتقوا فأسره ابن حمدان ، وقتل طائفة من جنده . ثم عدى إليه فرقة ثانية لم يشعروا بما تم ، فحمل عليهم ، ورفع رؤوس أولئك على الرماح ، فرعبوا وانهزموا ، وقتلت منهم مقتلة . وساق وكبس بقية العساكر ، فهزمهم ، ونهب الريف ، وقطع الميرة عن مصر في البر والبحر ، فغلت الأسعار ، وكثر الوباء إلى الغاية ، ونهبت الجند دور العامة ، وعظم الغلاء ، واشتد البلاء .

قال ابن الأثير : حتى إن أهل البيت الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلة واحدة . واشتد الغلاء حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفاً بألف دينار ، فاستبعد ذلك ، فقيل إنها باعت عروضها ، وقيمته ألف دينار ، بثلاثمائة دينار ، واشترت بها قمحاً ، وحمله الحمال على ظهره ، فنهبت الحملة في الطريق ، فنهبت هي مع الناس ، فكان الذي حصل لها رغيفاً واحداً . وجاء الخلق ما يشغلهم عن القتال ، ومات خلق من جند المستنصر ، وراسل الأتراك الذين حوله ناصر الدولة في الصلح ، فاصطلحوا على أن يكون تاج الملك شاذي نائباً لناصر الدولة ابن حمدان بالقاهرة يحمل إليه المال .

فلما تقرر شاذي استبد بالأمور ، ولم يرسل إلى ابن حمدان شيئاً ، فسار ابن حمدان إلى أن نزل بالجيزة . وطلب الأمراء إليه فخرجوا ، فقبض على أكثرهم ، ونهب ظواهر القاهرة ، وأحرق كثيراً منها ، فجهز إليه المستنصر عسكراً ، فبيتوه ، فانهزم . ثم إنه جمع جمعاً وعاد إليهم ، فعمل معهم مصافاً ، فهزمهم ، وقطع خطبة المستنصر بالإسكندرية ودمياط ، وغلب على البلدين وعلى سائر الريف .

وأرسل إلى العراق يطلب تقليداً وخلعاً . واضمحل أمر المستنصر وخمل ذكره . وبعث إليه ابن حمدان يطلب الأموال ، فرآه الرسول جالساً على حصير ، وليس حوله سوى ثلاثة خدم .

فلما أدى الرسالة ، قال : أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذه الحال ؟ فبكى الرسول وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره بما قال ، فرق له وأجرى له في كل يوم مائة دينار . وقدم القاهرة وحكم فيها ، وكان يظهر التسنن ويعيب المستنصر . وكاتب عسكر المغاربة فأعانوه .

ثم قبض على أم المستنصر وصادرها ، فحملت خمسين ألف دينار . وكانت قد قل ما عندها إلى الغاية . وتفرق عن المستنصر أولاده وكثير من أهله من القحط ، وضربوا في البلاد .

ومات كثير منهم جوعا ، وجرت عليهم أمور لا توصف في هذه السنوات بالديار المصرية من الفناء والغلاء والقتل . وانحط السعر في سنة خمس وستين . قال ابن الأثير : وبالغ ناصر الدولة ابن حمدان في إهانة المستنصر ، وفرق عنه عامة أصحابه ، وكان يقول لأحدهم : إنني أريد أن أوليك عمل كذا .

فيسير إليه ، فلا يمكنه من العمل ، ويمنعه من العود . وكان غرضه من ذلك ليخطب للقائم بأمر الله أمير المؤمنين ، ولا يمكنه ذلك مع وجودهم ، ففطن له الأمير إلدكز ، وهو من أكبر أمراء وقته ، وعلم أنه متى تم له ما أراد ، تمكن منه ومن أصحابه . فأطلع على ذلك غيره من أمراء الترك ، فاتفقوا على قتل ابن حمدان ، وكان قد أمن لقوته وعدم عدوه .

فتواعدوا ليلة ، وجاؤوا سحراً إلى داره ، وهي المعروفة بمنازل العز بمصر ، فدخلوا صحن الدار من غير استئذان ، فخرج إليهم في غلالة ، لأنه كان آمناً منهم ، فضربوه بالسيوف ، فسبهم وهرب ، فلحقوه وقتلوه ، وقتلوا أخويه فخر العرب ، وتاج المعالي ، وانقطع ذكر الحمدانية بمصر . فلما كان في سنة سبع وستين ولي الأمر بمصر بدر الجمالي أمير الجيوش ، وقتل إلدكز ، والوزير ابن كدينة ، وجماعة ، وتمكن من الدولة إلى أن مات .وقام بعده ابنه الأفضل .

موقع حَـدِيث