أبو بكر بن عمر البربري اللمتوني
أبو بكر بن عمر البربري اللمتوني ، ملك المغرب . وكان ظهوره قبل الخمسين وأربعمائة ، أو في حدود الأربعين . فذكر الأمير عزيز في كتاب أخبار القيروان ، وقد رأيت له رواية في هذا الكتاب في أوله عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ، ولا أعرف له نسباً ولا ترجمة ، قال : أخبرني عبد المنعم بن عمر بن حسان الغساني ، قال : حدثني قاضي مراكش علي بن أبي فنون أن رجلاً من قبيلة جدالة من كبرائهم ، يعني المرابطين ، اسمه الجوهر ، قدم من الصحراء إلى بلاد المغرب ليحج ، وكان مؤثراً للدين والصلاح ، وذلك في عشر الخمسين وأربعمائة ، فمر بالمغرب بفقيه يقرئ مذهب مالك ، والغالب أنه عمران الفاسي بالقيروان .
قلت : أبو عمران مات بعد الثلاثين وأربعمائة . قال : فأوى إليه وأصغى إلى العلم ، ثم حج وفي قلبه من ذلك فعاد . وأتى ذلك الفقيه ، وقال : يا فقيه ، ما عندنا في الصحراء من العلم شيء إلا الشهادتين في العامة ، والصلاة في بعض الخاصة .فقال الفقيه : فخذ معك من يعلمهم دينهم .
فقال له الجوهر : فابعث معي فقيهاً وعلي حفظه وإكرامه .فقال لابن أخيه : يا عمر اذهب مع هذا السيد إلى الصحراء ، فعلم القبائل دين الله ولك الثواب الجزيل والشكر الجميل ، فأجابه . ثم جاء من الغد ، فقال : اعفني من الصحراء ، فإن أهلها جاهلية ، قد ألفوا ما نشأوا عليه . وكان من طلبة الفقيه رجل اسمه عبد الله بن ياسين الجزولي ، فقال : أيها الشيخ ، أرسلني معه ، والله المعين .
فأرسله معه ، وكان عالماً قوي النفس ، ذا رأي وتدبير ، فأتيا قبيلة لمتونة ، وهي على ربوة من الأرض ، فنزل الجوهر ، وأخذ بزمام الجمل الذي عليه عبد الله بن ياسين تعظيماً له ، فأقبلت المشيخة يهنئون الجوهر بالسلامة وقالوا : من هذا ؟ قال : هذا حامل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .فرحبوا به وأنزلوه ، ثم اجتمعوا له ، وفيهم أبو بكر بن عمر ، فقص عليهم عبد الله عقائد الإسلام وقواعده ، وأوضح لهم حتى فهم ذلك أكثرهم ، فقالوا : أما الصلاة والزكاة فقريب ، وأما قولك من قتل يقتل ، ومن سرق يقطع ، ومن زنا يجلد ، فلا نلتزمه ، فاذهب إلى غيرنا . فرحل ، وأخذ بزمامه الجوهر ! وفي تلك الصحراء قبائل منهم وهم ينتسبون إلى حمير ، ويذكرون أن أسلافهم خرجوا من اليمن في الجيش الذي جهزه الصديق إلى الشام ، ثم انتقلوا إلى مصر ، ثم توجهوا إلى المغرب مع موسى بن نصير ، ثم توجهوا مع طارق إلى طنجة ، فأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء ، وهم لمتونة ، وجدالة ، ولمطة ، وإينيصر ، وإينواري ، ومسوفة ، وأفخاذ عدة ، فانتهى الجوهر وعبد الله إلى جدالة ، قبيلة الجوهر ، فتكلم عليهم عبد الله ، فمنهم من أطاع ، ومنهم من عصى ، فقال عبد الله للذين أطاعوا : قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين أنكروا دين الإسلام ، وقد استعدوا لقتالكم وتحزبوا عليكم ، فأقيموا لكم راية وأميراً .فقال له الجوهر : أنت الأمير . قال : لا يمكنني هذا ، أنا حامل أمانة الشرع ، ولكن كن أنت الأمير .قال : لو فعلت هذا تسلطت قبيلتي على الناس وعاثوا ، فيكون وزر ذلك علي .
قال له : فهذا أبو بكر بن عمر رأس لمتونة ، وهو جليل القدر ، محمود السيرة ، مطاع في قومه ، فسر إليه واعرض عليه الإمرة ، والله المستعان . فبايعوا أبا بكر ، وعقدوا له راية ، وسماه عبد الله أمير المسلمين . وقام حوله طائفة من جدالة وطائفة من قومه .
وحضهم ابن ياسين على الجهاد وسماهم المرابطين .فتألبت عليهم أحزاب الصحراء من أهل الشر والفساد ، وجيشوا لحربهم ، فلم يناجزوهم القتال ، بل تلطف عبد الله بن ياسين وأبو بكر واستمالوهم ، وبقي قوم أشرار ، فتحيلوا عليهم حتى جمعوا منهم ألفين تحت زرب عظيم وثيق ، وتركوهم فيه أياماً بغير طعام ، وحصروهم فيه ، ثم أخرجوهم وقد ضعفوا من الجوع وقتلوهم . فدانت لأبي بكر بن عمر أكثر القبائل وقويت شوكته . وكان عبد الله يبث فيهم العلم والسنة ، ويقرئهم القرآن ، فنشأ حوله جماعة فقهاء وصلحاء .
وكان يعظهم ويخوفهم ، ويذكر سيرة الصحابة وأخلاقهم ، وكثر الدين والخير في أهل الصحراء . وأما الجوهر فإنه أخلصهم عقيدة ، وأكثرهم صوماً وتهجداً ، فلما رأى أن أبا بكر استبد بالأمر ، وأن عبد الله بن ياسين ينفذ الأمور بالسنة ، بقي الجوهر لا حكم له ، فداخله الهوى والحسد ، وشرع سرا في إفساد الأمر . فعلم بذلك منه ، وعقدوا له مجلساً وثبت ما قيل عنه ، فحكم فيه بأنه يجب عليه القتل ، لأنه شق العصا ، فقال : وأنا أحب لقاء الله .
فاغتسل وصلى ركعتين ، وتقدم فضربت عنقه . وكثرت طائفة المرابطين ، وتتبعوا من خالفهم في القبائل قتلاً ونهباً وسبياً إلا من أسلم ، وبلغت الأخبار إلى الفقيه بما فعل عبد الله بن ياسين فعظم ذلك عليه وندم ، وكتب إليه ينكر عليه كثرة القتل والسبي ، فأجابه : أما إنكارك علي ما فعلت وندامتك على إرسالي ، فإنك أرسلتني إلى أمة كانوا جاهلية يخرج أحدهم ابنه وابنته لرعي السوام ، فتأتي البنت حاملاً من أخيها ، فلا ينكرون ذلك ، وما دأبهم إلا إغارة بعضهم على بعض ، ويقتل بعضهم بعضاً . ففعلت وفعلت وما تجاوزت حكم الله ، والسلام .
وفي سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم وماتت مواشيهم ، فأمر عبد الله بن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السوس ، وأخذ الزكاة ، فخرج منهم نحو سبعمائة رجل ، فقدموا سجلماسة ، وسألوا أهلها الزكاة ، وقالوا : نحن قوم مرابطون خرجنا إليكم نطلب حق الله من أموالكم . فجمعوا لهم مالاً ورجعوا به . ثم إن الصحراء ضاقت بهم ، وأرادوا إظهار كلمة الحق ، وأن يسيروا إلى الأندلس للجهاد ، فخرجوا إلى السوس الأقصى ، فاجتمع لهم أهل السوس وقاتلوهم فهزموهم ، وقتل عبد الله بن ياسين .وهرب أبو بكر بن عمر إلى الصحراء ، فجمع جيشاً وطلب بلاد السوس في ألفي راكب ، فاجتمعت لحربه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس ، فأرسل إليهم رسلاً ، وقال : افتحوا لنا الطريق فما قصدنا إلا غزو المشركين .
فأبوا عليه واستعدوا للحرب ، فنزل أبو بكر وصلى الظهر على درقته وقال : اللهم إن كنا على الحق فانصرنا عليهم ، وإن كنا على باطل فأرحنا بالموت . ثم ركب والتقوا فهزمهم ، واستباح أبو بكر أسلابهم وأموالهم وعددهم ، وقويت نفسه . ثم تمادى إلى سجلماسة فنزل عليها ، وطلب من أهلها الزكاة ، فقالوا لهم : إنما أتيتمونا في عدد قليل فوسعكم ذلك ، وضعفاؤنا كثير ، وما هذه حالة من يطلب الزكاة بالسلاح والخيل ، وإنما أنتم محتالون ، ولو أعطيناكم أموالنا ما عمتكم .وبرز إليهم مسعود صاحب سجلماسة بجيشه ، فحاربوه ، وطالت بينهم الحرب .
ثم ساروا إلى جبل هناك ، فاجتمع إليهم خلق من كرونة ، فزحفوا إلى سجلماسة وحاربوا مسعود بن واروالي إلى أن قتل ، ودخلوا سجلماسة وملكوها ، فاستخلف عليها أبو بكر بن عمر يوسف بن تاشفين اللمتوني ، أحد بني عمه ، فأحسن السيرة في الرعية ، ولم يأخذ منهم شيئاً سوى الزكاة . وكان فتحها في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة . ورجع أبو بكر إلى الصحراء فأقام بها مدة .
ثم قدم سجلماسة ، فأقام بها سنة وخطب بها لنفسه ، ثم استخلف عليها ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن عمر ، وجهز جيشاً عليهم يوسف بن تاشفين إلى السوس فافتتحه . وكان يوسف ديناً حازماً مجرباً ، داهية ، سائساً . وفي سنة اثنتين وستين توفي أبو بكر بن عمر بالصحراء ، وتملك بعده يوسف ، ولم يختلف عليه اثنان ، وامتدت أيامه ، وافتتح الأندلس ، وبقي إلى سنة خمسمائة .
وأول من كان فيهم الملك صنهاجة ثم كتامة ثم لمتونة ، ثم مصمودة ، ثم زناتة . وذكر ابن دريد وغيره أن كتامة ، ولمتونة ، ومصمودة ، وهوارة من حمير ، وما سواهم من البربر ، وبربر هو من ولد قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام . ومن أمهات قبائل البربر : مليلة ، وزنارة ، ولواتة ، وزواوة ، وهوارة ، وزويلة ، وعفجومة ، ومرطة ، وغمارة .
ويقال : إن دار البربر كانت فلسطين ، وملكهم جالوت ، فلما قتله داود عليه السلام جلت البربر إلى المغرب ، وتفرقوا هناك في البرية والجبال ، ونزلت لواتة أرض برقة ، ونزلت هوارة أرض طرابلس ، وانتشرت البربر إلى السوس الأقصى ، وطول أراضيهم نحو من ألف فرسخ ، والله أعلم .