عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد
عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد ، المعتضد بالله أبو عمرو أمير إشبيلية ابن قاضيها أبي القاسم . قد تقدم أن أهل إشبيلية ملكوا عليهم القاضي أبا القاسم ، وأنه توفي سنة ثلاث وثلاثين ، فقام بالأمر بعده المعتضد بالله . وكان شهماً صارماً ، جرى على سنن والده مدة ، ثم سمت همته وتلقب بالمعتضد بالله ، وخوطب بأمير المؤمنين .
وكان شجاعاً داهية . قتل من أعوان أبيه جماعة صبراً ، وصادر بعضهم ، وتمكن من الملك ، ودانت له الملوك . وكان قد اتخذ خشباً في قصره ، وجللها برؤوس ملوك وأعيان ومقدمين .
وكان يشبه بأبي جعفر المنصور . وكان ابنه ولي العهد إسماعيل قد هم بقتل أبيه ، وأراد اغتياله ، فلم يتم له الأمر ، فقبض عليه المعتضد ، وضرب عنقه ، وعهد إلى ابنه أبي القاسم محمد ، ولقبه المعتمد على الله . ويقال : إنه أخذ مال أعمى ، فنزح وجاور بمكة يدعو عليه ، فبلغ المعتضد ، فندب رجلاً ، وأعطاه حقاً فيه جملة دنانير ، وطلاها بسم .
فسافر إلى مكة ، وأعطى الأعمى الدنانير ، فأنكر ذلك وقال : يظلمني بإشبيلية ، ويتصدق علي هنا . ثم أخذ ديناراً منها ، فوضعه في فمه فمات بعد يوم . وكذلك فر منه رجل مؤذن إلى طليطلة ، فأخذ يدعو عليه في الأسحار ، فبعث إليه من جاءه برأسه .
وطالت أيامه إلى أن توفي في رجب فقيل : إن ملك الفرنج سمه في ثياب بعث بها إليه . وقيل : مات حتف أنفه ، وقام بعده ابنه المعتمد . ومما تم له في سنة سبع وأربعين أنه سكر ليلة ، وخرج في الليل مع غلام ، وسار نحو قرمونة ، وهي بعض يوم من إشبيلية .
وكان صاحب قرمونة إسحاق بن سليمان البرزالي قد جرى له معه حروب ، فلم يزل يسري حتى أتى قرمونة ، وكان إسحاق يشرب في جماعة ، فأعلم بالمعتضد بأنه يستأذن ، فزاد تعجبهم ، وأذن له ، فسلم على إسحاق ، وشرع في الأكل ، فزال عنه السكر ، وسقط في يده ، لما بينه وبين بني برزال من الحرب ، لكنه تجلد وأظهر السرور ، وقال : أريد أن أنام . فنومه في فراش ، فتناوم ، وظنوا أنه قد نام ، فقال بعضهم : هذا كبش سمين ، والله لو أنفقتم ملك الأندلس عليه ما قدرتم ، فإذا قتل لم تبق شوكة تشوككم . فقام منهم معاذ بن أبي قرة ، وكان رئيساً ، وقال : والله لا كان ، هذا رجل قصدنا ونزل بنا ، ولو علم أنا نؤذيه ما أتانا مستأمناً .
كيف تتحدث عنا القبائل أنا قتلنا ضيفنا وخفرنا ذمتنا؟ ثم انتبه ، فقاموا وقبلوا رأسه ، وجددوا السلام عليه ، فقال لحاجبه : أين نحن؟ قال : بين أهلك وإخوانك . فقال : إيتوني بدواة . فأتوه بها ، فكتب لكل منهم بخلعة وذهب وأفراس وخدم ، وأمر كل واحد أن يبعث رسوله ليقبض ذلك .
ثم ركب من فوره ، وقاموا في خدمته . ثم طلبهم بعد ستة أشهر لوليمة ، فأتاه ستون رجلاً منهم ، فأنزلهم ، وأنزل معاذاً عنده . ثم أدخلهم حماما ، وطين بابه فماتوا كلهم .
فعز على معاذ ذلك ، فقال المعتضد : لا ترع فإنهم قد حضرت آجالهم ، وقد أرادوا قتلي ، ولولاك لقتلوني ، فإن أردت أن أقاسمك جميع ما أملك فعلت . فقال : أقيم عندك ، وإلا بأي وجه أرجع إلى قرمونة وقد قتلت سادات بني برزال . فأنزله في قصر وأقطعه ، وكان من كبار أمرائه .
ثم كان المعتمد يجله ويعظمه . فحدث بعض الإشبيليين أنه رأى معاذاً يوم دخل يوسف بن تاشفين ، وعليه ثوب ديباج مذهب ، وبين يديه نحو ثلاثين غلاماً ، وأنه رآه في آخر النهار وهو مكتّف في تلّيس . ذكر هذه الحكاية بطولها عزيز في تاريخه ، فإن صحت فهي تدل على لؤم المعتضد وعسفه وكفر نفسه .
وقد لقّاه الله في عاقبته . وحكى عبد الواحد بن علي في تاريخه أن المعتضد كان شهماً شجاعاً داهية . فقيل : إنه ادعى أنه وقع إليه هشام المؤيد بالله ابن المستنصر الأموي ، فخطب له مدة بالخلافة ، وكان الحامل له على تدبير هذه الحيلة ما رآه من اضطراب أهل إشبيلية عليه ، لأنهم أنفوا من بقائهم بلا خليفة ، وبلغه أنهم يطلبون أموياً ليقيموه في الخلافة ، فأخبرهم بأن المؤيد بالله عنده بالقصر ، وشهد له جماعة من حشمه بذلك ، وأنه كالحاجب له .
وأمر بذكره على المنابر ، فاستمر ذلك سنين إلى أن نعاه إلى الناس في سنة خمس وخمسين وأربعمائة . وزعم أنه عهد إليه بالخلافة على الأندلس . وهذا محال .
وهشام هلك من سنة ثلاث وأربعمائة ، ولو كان بقي إلى الساعة لكان يكون ابن مائة سنة وسنة .