حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

عبد الله أمير المؤمنين القائم بأمر الله

عبد الله أمير المؤمنين القائم بأمر الله ، أبو جعفر ابن القادر بالله أبي العباس أحمد ابن ولي العهد إسحاق ابن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ابن المعتضد ، الهاشمي العباسي . ولد في نصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ، وبويع بالخلافة بقبة الإسلام مدينة السلام بغداد يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة . وأمه أم ولد اسمها بدر الدجى الأرمنية ، وقيل: اسمها قطر الندى ، كذا سماها الخطيب .

أدركت خلافته ، وعاشت بعدها ثلاثين سنة . بويع عند موت والده القادر ، وكان ولي عهده في حياته ، وهو الذي لقبه بالقائم بأمر الله . قال ابن الأثير : كان جميلاً ، مليح الوجه ، أبيض .

مشرباً حمرة ، حسن الجسم ، ورعاً ، دينا ، زاهداً ، عالماً ، قوي اليقين بالله ، كثير الصدقة والصبر ، له عناية بالأدب ، ومعرفة حسنة بالكتابة . ولم يكن يرضى أكثر ما يكتب من الديوان ، وكان يصلح فيه أشياء ، وكان مؤثراً للعدل والإحسان وقضاء الحوائج ، وكان لا يرى المنع من شيء يطلب منه . قال : وكان سبب موته أنه أشرى فافتصد ونام ، فانفجر فصاده وخرج منه دم كثير ، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوته ، فأيقن بالموت ، وطلب ولي العهد ووصاه ، ثم توفي رحمه الله .

وحكى الحسن بن محمد القيلوي في تاريخه قال : ولما رجع الخليفة إلى داره ، يعني نوبة البساسيري ، لم يتجرد من ثيابه للنوم إلى أن مات ، ولا نام على فراش غير مصلاه . وكان يصوم ، فيما حكي عنه ، أكثر الزمان ، ويقوم الليل ، وعفا عن كل من عرفه بفساد وأحسن إليه ، ومنع من أذية من آذاه . قال السلفي : حدثني عبد السلام بن علي القيسراني المعدل بمصر ، قال : حدثني شيوخ بغداد أن القائم لم يسترد شيئاً مما نهب من قصره إلا بالثمن ، ويقول : هذه أشياء احتسبناها عند الله .

وأنه منذ خرج من مقر عزه ما وضع رأسه على مخدة . وحين نهبوا قصره لم يجدوا فيه شيئاً من آلات الملاهي . قال الخطيب في تاريخه : ولم يزل أمره مستقيماً إلى أن قبض عليه في سنة خمسين .

وكان السبب في ذلك أن أرسلان التركي البساسيري كان قد عظم أمره واستفحل شأنه ، لعدم نظرائه ، وانتشر ذكره ، وتهيبته أمراء العرب والعجم ، ودعي له على المنابر ، وجبى الأموال ، وخرب القرى . ولم يكن القائم يقطع أمراً دونه . ثم صح عنده سوء عقيدته ، وشهد عنده جماعة أن البساسيري عرفهم وهو بواسط عزمه على نهب دار الخلافة ، والقبض على أمير المؤمنين ، فكاتب الخليفة أبا طالب محمد بن ميكال سلطان الغز المعروف بطغرلبك ، وهو بالري ، يستنهضه في القدوم .

ثم أحرقت دار البساسيري ، وقدم طغرلبك في سنة سبع وأربعين ، فذهب البساسيري إلى الرحبة ، وتلاحق به خلق من الأتراك ، وكاتب صاحب مصر ، فأمده بالأموال ، ثم خرج طغرلبك بعد سنتين إلى نصيبين ، ومعه أخوه ينال في سنة خمسين ، فخالف عليه أخوه ، وسار بجيش عظيم وطلب الري ، وكان البساسيري قد كاتبه وطمعه بمنصب أخيه طغرلبك ، فسار طغرلبك في أثر أخيه ، فتفرقت عساكره ، وتواقع هو وأخوه بهمذان ، فظهر عليه ينال وحصره بهمذان . فعزم الوزير الكندري والخاتون زوجة طغرلبك وابنها على نجدة طغرلبك ، فاضطرب أمر بغداد ، وأرجفوا بمجيء البساسيري ، فبطل عزم الوزير ، فهمت خاتون بالقبض عليه وعلى ابنها ، ففرا إلى الجانب الغربي ، وقطعا الجسر ، فنهبت دورهما ، ومضت هي بجمهور الجيش نحو همذان ، وخرج ابنها والوزير نحو الأهواز . فلما كان في ذي القعدة وصل البساسيري إلى الأنبار ، ولم يحضر الخطيب يوم الجمعة ، ونزلوا من المئذنة ، فأخبروا أنهم رأوا عسكر البساسيري .

وصلى الناس ظهراً . ثم ورد من الغد من عسكره مائتا فارس ، فلما كان يوم الأحد دخل البساسيري بغداد ومعه الرايات المصرية ، فضرب مخيمه على دجلة ، وأجمع أهل الكرخ والعوام من الجانب الغربي على مضافرة البساسيري . وكان قد جمع العيارين وأهل الرساتيق ، وأطمعهم في نهب دار الخليفة ، والناس إذ ذاك في قحط ، وبقي القتال كل يوم بين الفريقين في السفن ، فلما كان يوم الجمعة المقبلة دعي لصاحب مصر بجامع المنصور ، وزيد في الأذان حي على خير العمل ، وأصلحوا الجسر ، وعبر الجيش ، فنزلوا بالزاهر ، وكفوا عن المحاربة أياماً .

وخندق الخليفة حول داره ، وأصلح سورها . ثم حشد البساسيري أهل الكرخ وغيرهم ، ونهض بهم إلى حرب الخليفة ، فتحاربوا يومين ، وقتل قتلى كثيرة . وفي اليوم الثالث أتى البساسيري وجموعه نحو دار الخليفة ، وأحرق الأسواق بنهر معلى ، ووقع النهب ، وأحاطوا بدار الخلافة ، وأخذ منها ما لا يحصى .

ووجه الخليفة إلى قريش العقيلي البدوي ، وكان قد جاء ناصراً للبساسيري ، فأذم للخليفة في نفسه ، ولقيه فقبل بين يديه الأرض ، وخرج الخليفة معه من الدار راكباً وبين يديه راية سوداء ، والأتراك بين يديه . ثم نزل بمخيم ضرب له بأمر قريش . وقبض البساسيري على الوزير وعلى القاضي الدامغاني ، وجماعة ، وقيد الوزير والقاضي .

فلما كان يوم الجمعة من ذي الحجة ، خطب لصاحب مصر في كل الجوامع إلا جامع الخليفة . ولما كان يوم عرفة بعث الخليفة إلى عانة على الفرات ، وحبس هناك . وشهِّر الوزير في أواخر الشهر على جمل وطيف به .

ثم صلب حياً ، وهو أبو القاسم ابن المسلمة . ثم جعلوا في فكيه كلوبين من حديد ، فمات ليومه . وأطلق قاضي القضاة .

وأما طغرلبك فظفر بأخيه وقتله . وكاتب متولي عانة في رد الخليفة إلى داره مكرماً . وذكر لنا أن البساسيري عزم على ذلك لما بلغه أن طغرلبك متوجه إلى العراق .

وحصل الخليفة في مقر عزه في الخامس والعشرين من ذي القعدة من سنة إحدى وخمسين . ثم جهز طغرلبك جيشاً ، فحاربوا البساسيري بسقي الفرات ، وظفروا به فقتل وحمل رأسه إلى بغداد . وقال أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب : سمعت الأستاذ أبا الفضل محمد بن علي بن عامر قال : دخلنا في يومنا هذا إلى المخزن ، فلم يبق أحد لقيني إلا وأعطاني قصة ، فامتلأ كمي بالرقاع ، فلما رأيت كثرتها قلت : لو كان القائم بأمر الله أخي لأقل المراعاة لي ولضجر مني .

وألقيتها في بركة . وكان القائم ينظر وأنا لا أعلم ، فلما وقفت بين يديه أمر بأخذ الرقاع من البركة وبسطت في الشمس ، ثم حملت إليه ، ووقع على الجميع . ثم قال : يا عامي ، ما حملك على ما فعلت؟ وهل كان عليك درك في إيصالها إلينا ؟ فقلت : خفت أن تمل .

فقال : ويحك ، ما أطلقنا شيئاً من أموالنا ، بل نحن خزانهم فيها . واحذر أن تعود إلى ما فعلت . قال أبو يعلى حمزة ابن القلانسي في تاريخه : روي أن القائم لما اعتُقل نوبة البساسيري كتب قصة ونفذها إلى بيت الله مستعدياً إلى الله على من ظلمه ، فعلقت على الكعبة ، وهي : إلى الله العظيم من المسكين عبده .

اللهم إنك العالم بالسرائر ، والمطلع على الضمائر ، اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على خلقك ، عن إعلامي ، هذا عبد قد كفر نعمك وما شكرها ، وألقى العواقب وما ذكرها ، أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغياً ، وأساء إلينا عتواً وعدوانا . اللهم قلَّ الناصر ، واعتز الظالم ، وأنت المطلع العالم ، المنصف الحاكم . بك نعتز عليه ، وإليك نهرب من يديه ، فقد تعزز علينا بالمخلوقين ، ونحن نعتز بك .

وقد حاكمناه إليك ، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك ، ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك ، ووثقنا في كشفها بكرمك ، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين . توفي القائم بأمر الله ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان ، ودفن في داره بالقصر الحسني . وكانت دولته خمساً وأربعين سنة ، وغسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي شيخ الحنابلة ، وبويع بعده المقتدي .

موقع حَـدِيث