عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده
عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده ، واسمه إبراهيم بن الوليد ، أبو القاسم ابن الحافظ أبي عبد الله العبدي الأصبهاني . كان كبير الشأن جليل المقدار ، حسن الخط واسع الرواية ، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر ، ذا وقار وسكون وسمت ، له أصحاب وأتباع يقتفون بآثاره . ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، وهو أكبر الإخوة .
أجاز له زاهر بن أحمد السرخسي ، وسمع الكثير من أبيه ، وإبراهيم بن خرشيد قوله ، وإبراهيم بن محمد الجلاب ، وأبي بكر بن مردويه ، وأبي جعفر بن المرزبان الأبهري ، وأبي ذر ابن الطبراني ، وأبي عمر الطلحي . وسافر إلى بغداد سنة ست وأربعمائة ، فأدرك نفرا من أصحاب المحاملي ، وسمع بواسط من ابن خزفة الواسطي ، وبمكة من أبي الحسن بن جهضم وابن نظيف الفراء . وسمع بشيراز ، والدينور ، وهمذان .
ودخل نيسابور ، وسمع من أبي بكر الحيري ، ولم يرو عنه لأشعريته كما فعل شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري ؛ فإنه قال : تركت الحيري لله . وقال أبو عبد الله الدقاق : ولد الشيخ السديد أبو القاسم عبد الرحمن في سنة إحدى وثمانين ، في السنة التي مات فيها أبو بكر ابن المقرئ . قال : وفضائله ومناقبه أكثر من أن تعد ، وأقول أنا : ومن أنا لنشر فضيلته ؟ سمع من أبيه .
ثم سمى أشياخه ، إلى أن قال : وكان صاحب خلق وفتوة ، وسخاء وبهاء ، والإجازة كانت عنده قوية . وكان يقول : ما حدثت بحديث إلا على سبيل الإجازة ؛ كي لا أوبق فأدخل في كتاب أهل البدعة . وله تصانيف كثيرة ، وردود جمة على المبتدعين والمنحرفين في صفات الله وغيرها .
وقال أبو سعد السمعاني : له إجازة من زاهر ، وعبد الرحمن بن أبي شريح ، وأبي عبد الله الحاكم ، وحمد بن عبد الله الأصبهاني ثم الرازي ، ومحمد بن عبد الله بن زكريا الجوزقي . روى لنا عنه أبو نصر الغازي ، وأبو سعد البغدادي ، وأبو عبد الله الخلال ، وأبو بكر الباغبان ، وأبو عبد الله الدقاق ، وجماعة كثيرة . قال ابن طاهر المقدسي : سمعت أبا علي الدقاق بأصبهان يقول : سمعت أبا القاسم بن منده يقول : قرأت على أبي أحمد الفرضي ببغداد جزءا فأردت أخذ خطه بذلك ، فقال : يا بني ، لو قال لك قائل بأصبهان : ليس هذا خط فلان ، بم كنت تجيبه ؟ ومن كان يشهد لك ؟ قال : فبعد ذلك لم أطلب من شيخ خطا .
قال السمعاني : سمعت الحسين بن عبد الملك الخلال يقول : سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله الحافظ يقول : قد تعجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين ، والعارفين بي والمنكرين ، فإني وجدت بمكة وبخراسان وغيرهما من الآفاق التي قصدتها - من صباي وإلى هذا الوقت - أكثر من لقيته بها موافقا كان أو مخالفا دعاني إلى مساعدته على ما يقوله وتصديق قوله ، والشهادة له في فعله على قبول ورضى . فإن كنت صدقته فيما كان يقوله وأجزت له ذلك كما يفعل أهل هذا الزمان ، سماني موافقا . وإن وقفت في حرف من قوله وفي شيء من فعله ، سماني مخالفا .
وإن ذكرت في واحد منهما أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك ، سماني خارجيا . وإن قرئ علي حديث في التوحيد ، سماني مشبها . وإن كان في الرؤية سماني سالميا .
إلى أن قال : وأنا متمسك بالكتاب والسنة ، متبرئ إلى الله من الشبه والمثل ، والضد والند ، والجسم والأعضاء والآلات ، ومن كل ما ينسبه الناسبون إلي ويدعيه المدعون علي ، من أن أقول في الله شيئا من ذلك ، أو قلته ، أو أراه ، أو أتوهمه ، أو أتجرأه ، أو أنتحله ، أو أصفه به ، وإن كان على وجه الحكاية ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وقال أبو زكريا يحيى بن منده : كان عمي سيفا على أهل البدع ، وأكبر من أن يثني عليه مثلي ، كان والله آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، وفي الغدو والآصال ذاكرا ، ولنفسه في المصالح قاهرا ، فأعقب الله من ذكره بالشر الندامة إلى يوم القيامة ، وكان عظيم الحلم كثير العلم ، ولد سنة ثلاث وثمانين . قرأت عليه حكاية شعبة : من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد .
فقال عمي : من كتب عني حديثا فأنا له عبد . وسمعت أبي أبا عمرو يقول : اتفق أن كنا ليلة مجتمعين للإفطار في رمضان ، وكان الحر شديدا ، وكنا نأكل ونشرب ، وكان عبد الرحمن يأكل ولا يشرب ، فقلت أنا على سبيل اللعب : من عادة أخي أن يأكل ليلة ولا يشرب ، ويشرب ليلة أخرى ولا يأكل . قال : فما شرب تلك الليلة .
وفي الليلة الآتية كان يشرب ولا يأكل البتة ، فلما كانت الليلة الثالثة قال : أيها الأخ ، لا تلعب بعد هذا بمثله ، فإني ما اشتهيت أن أكذبك . قلت : وقال الدقاق في رسالته : أول شيخ سمعت منه الشيخ الإمام السيد السديد الأوحد أبو القاسم بن منده ، فرزقني الله جل جلاله ببركته وحسن نيته وجميل سيرته وعزيز طريقته ، فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان جذعا في أعين المخالفين أهل البدع والتبدع المتنطعين ، وكان ممن لا يخاف في الله لومة لائم ، ووصفه أكثر من أن يحصى .
ذكر أبو بكر أحمد بن هبة الله بن أحمد اللوردجاني أنه سمع من لفظ أبي القاسم سعد الزنجاني بمكة يقول : حفظ الله الإسلام برجلين ، أحدهما بأصبهان والآخر بهراة : عبد الرحمن بن منده ، وعبد الله بن محمد الأنصاري . وقال السمعاني : سمعت الحسن بن محمد بن الرضا العلوي يقول : سمعت خالي أبا طالب بن طباطبا يقول : كنت أشتم أبدا عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده إذا سمعت ذكره أو جرى ذكره في محفل ، فسافرت إلى جرباذقان ، فرأيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المنام ويده في يد رجل عليه جبة زرقاء ، وفي عينه نكتة ، فسلمت عليه فلم يرد علي ، وقال : لم تشتم هذا إذا سمعت اسمه ؟ فقيل لي في المنام : هذا أمير المؤمنين عمر ، وهذا عبد الرحمن بن منده . فانتبهت ، ثم رجعت إلى أصبهان وقصدت الشيخ عبد الرحمن ، فلما دخلت عليه ورأيته صادفته على النعت الذي رأيته في المنام ، وعليه جبة زرقاء ، فلما سلمت عليه قال : وعليك السلام يا أبا طالب .
وقبل ذلك ما رآني ولا رأيته ، فقال لي قبل أن أكلمه : شيء حرمه الله ورسوله ، يجوز لنا أن نحله ؟ فقلت له : اجعلني في حل . ونشدته الله ، وقبلت عينيه ، فقال : جعلتك في حل فيما يرجع إلي . قال السمعاني : سألت أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، فسكت ساعة وتوقف ، فراجعته فقال : سمع الكثير ، وخالف أباه في مسائل ، وأعرض عنه مشايخ الوقت ، وما تركني أبي أسمع منه .
ثم قال : كان أخوه خيرا منه . وقال المؤيد ابن الإخوة : سمعت عبد اللطيف بن أبي سعد البغدادي قال : سمعت أبي قال : سمعت صاعد بن سيار الهروي يقول : سمعت الإمام عبد الله بن محمد الأنصاري يقول في عبد الرحمن بن منده : كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته . ذكر يحيى أن عمه توفي في سادس عشر شوال ، وغسله أحمد بن محمد البقال ، وصلى عليه أخوه عبد الوهاب ، وحضر جنازته من لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل .
وأول ما قرئ عليه الحديث سنة سبع وأربعمائة ؛ سمع عليه علي بن عبد العزيز بن مقرن .