سعد بن عليّ بن محمد بن عليّ بن حسين
سعد بن عليّ بن محمد بن عليّ بن حسين ، أبو القاسم الزَّنجانيّ ، الحافظ الزّاهد . سمع أبا عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف ، وأبا عليّ الحسين بن ميمون الصّدفيّ بمصر ، وبغزّة عليّ بن سلامة ، وبزنجان محمد بن أبي عبيد ، وبدمشق عبد الرحمن بن ياسر وأبا الحسن الجبّان ، وجماعة . روى عنه أبو بكر الخطيب وهو أكبر منه ، وأبو المظفّر منصور السَّمعانيّ الفقيه ، ومكّيّ الرُّميليّ ، وهبة الله بن فاخر ، ومحمد بن طاهر المقدسيّ ، وعبد المنعم ابن القشيريّ ، وآخرون .
وجاور بمكّة زماناً ، وصار شيخ الحرم . قال أبو الحسن محمد بن أبي طالب الفقيه الكرجيّ : سألت محمد بن طاهر عن أفضل من رأى ، فقال: سعد الزَّنجانيّ ، وعبد الله بن محمد الأنصاريّ ، فسألته أيُّهما أفضل؟ فقال: عبد الله كان متفنناً ، وأمّا الزَّنجانيّ فكان أعرف بالحديث منه؛ وذلك أنّي كنت أقرأ على عبد الله فأترك شيئاً لأجرّبه ، ففي بعضٍ يردّ ، وفي بعض يسكت ، والزَّنجانيُّ ، كنت إذا تركت اسم رجلٍ يقول: تركت بين فلان وفلان اسم فلان . قال ابن السَّمعانيّ : صدق كان سعد أعرف بحديثه لقلَّته ، وعبد الله كان مكثراً .
قال أبو سعد السَّمعانيّ: سمعت بعض مشايخي يقول: كان جدّك أبو المظفّر قد عزم على أن يقيم بمكّة ويجاور بها ، صحبة الإمام سعد بن عليّ ، فرأى ليلةً من اللّيالي والدته كأنّها قد كشفت رأسها وقالت له: يا بنيّ ، بحقّي عليك إلاّ ما رجعت إلى مرو ، فإنّي لا أطيق فراقك . قال: فانتبهت مغموماً ، وقلت: أشاور الشّيخ سعدا ، فمضيت إليه وهو قاعد في الحرم ، ولم أقدر من الزّحام أن أكلّمه ، فلمّا تفرَّق النّاس وقام تبعته إلى داره ، فالتفت إليّ وقال: يا أبا المظفَّر ، العجوز تنتظرك . ودخل البيت .
فعرفت أنّه تكلَّم على ضميري ، فرجعت مع الحاجّ تلك السّنة . قال أبو سعد : كان أبو القاسم حافظاً ، متقناً ، ثقة ، ورعاً ، كثير العبادة ، صاحب كرامات وآيات . وإذا خرج إلى الحرم يخلو المطاف ، ويقبّلون يده أكثر ممّا يقبّلون الحجر الأسود .
وقال محمد بن طاهر : ما رأيت مثله ، سمعت أبا إسحاق الحبّال يقول: لم يكن في الدّنيا مثل أبي القاسم سعد بن عليّ الزَّنجانيّ في الفضل . وكان يحضر معنا المجالس ، ويقرأ الخطأ بين يديه ، فلا يردّ على أحدٍ شيئاً ، إلاّ أن يسأل فيجيب . قال ابن طاهر: وسمعت الفقيه هيّاج بن عبيد إمام الحرم ومفتيه يقول: يومٌ لا أرى فيه سعد بن عليّ لا أعتدّ أنّي عملت خيراً .
وكان هيّاج يعتمر ثلاث مرّات . وسيأتي ذكره . قال ابن طاهر: كان الشّيخ سعد لمّا عزم على المجاورة عزم على نيِّفٍ وعشرين عزيمة أنّه يلزمها نفسه من المجاهدات والعبادات .
ومات بعد ذلك بأربعين سنة ولم يخلّ منها بعزيمةٍ واحدة . وكان يملي بمكّة ، ولم يكن يملي بها حين تولّى مكّة المصريّون ، وإنمّا كان يملي سرّاً في بيته . وقال ابن طاهر: دخلت على الشّيخ أبي القاسم سعد وأنا ضيّق الصَّدر من رجلٍ من أهل شيراز لا أذكره ، فأخذت يده فقبَّلتها ، فقال لي ابتداءً من غير أن أعلمه بما أنا فيه: يا أبا الفضل ، لا تضيِّق صدرك ، عندنا في بلاد العجم مثل يضرب ، يقال: بخل أهوازيّ ، وحماقة شيرازيّ ، وكثرة كلام رازيّ .
ودخلت عليه في أوّل سنة سبعين لمّا عزمت على الخروج إلى العراق حتّى أودّعه ، ولم يكن عنده خبر من خروجي . فلمّا دخلت عليه قال: أراحلون فنبكي ، أم مقيمونا؟ فقلت: ما أمر الشّيخ لا نتعدّاه . فقال: على أيَّ شيءٍ عزمت؟ قلت: على الخروج إلى العراق لألحق مشايخ خراسان .
فقال: تدخل خراسان ، وتبقى بها ، وتفوتك مصر ، ويبقى في قلبك . فاخرج إلى مصر ، ثمّ منها إلى العراق وخراسان ، فإنه لا يفوتك شيء ففعلت ، وكان في ذلك البركة . سمعت سعد بن عليّ - وجرى بين يديه ذكر الصّحيح الّذي خرَّجه أبو ذرّ الهرويّ - فقال: فيه عن أبي مسلم الكاتب ، وليس من شرط الصّحيح .
وقال أبو القاسم ثابت بن أحمد البغداديّ: رأيت أبا القاسم الزَّنجانيّ في المنام يقول لي مرةً بعد أخرى: إنّ الله يبني لأهل الحديث بكّل مجلسٍ يجلسونه بيتاً في الجنّة . ولد سعد في حدود سنة ثمانين وثلاثمائة ، أو قبلها ، وتوفّي في سنة إحدى وسبعين ، أو في أواخر سنة سبعين بمكّة . وله قصيدة مشهورة في السُّنّة ، وقد سئل عنه إسماعيل الطّلحيّ فقال: إمامٌ كبيرٌ عارفٌ بالسُّنَّة .