محمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن عليّ بن مردين
محمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن عليّ بن مردين ، أبو الفضل القومسانيّ ، ثمّ الهمذانيّ ، ويعرف بابن زيرك . قال شيرويه: هو شيخ عصره ، ووحيد وقته في فنون العلم ، روى عن أبيه ، وعمّه أبي منصور محمد ، وخاله أبي سعد عبد الغفّار ، وابن جانجان ، وعليّ بن أحمد بن عبدان ، ويوسف بن كجّ ، والحسين بن فنجويه الثّقفيّ ، وعبد الله بن الأفشين ، وجماعة . وروى بالإجازة عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ ، وأبي الحسن بن رزقويه .
وسمعت منه عامّة ما مرَّ له . وكان صدوقاً ثقة ، له شأن وحشمة . وله يد في التّفسير ، حسن العبارة والخطّ ، فقيهاً ، أديباً ، متعبّداً .
توفّي في سلخ ربيع الآخر . وقبره يزار ويتبرَّك به ، وسمعته يقول: ولدت سنة تسعٍ وتسعين وثلاثمائة . قال شيرويه: سمعت عبد الله بن مكّيّ يقول: سمعت أبا الفضل القومسانّي يقول في مرضه: رأيت رجلاً دفع إليَّ كتاباً ، فأخذته ، فإذا فيه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن عثمان القومسانيّ ، سلامٌ عليكم .
وسمعت إبراهيم بن محمد القزّاز الشّيخ الصالح يقول: رأيت ابن عبدان ليلة مات أبو الفضل القومسانيّ ، فأخذ بيدي ساعةً ، ثمّ قرأ : أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها . يريد موته . سمعت أبا الفضل القومسانيّ يقول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان يقول: اللّهم أمتعني بسمعي وبصري ، واجعلهما الوارث منّي معناه مشكلٌ ، فإنّ العلماء قالوا: كيف يكون سمعه وبصره يرثانه بعده دون سائر أعضائه؟ فتأوّلوه أنّه أراد بذلك الدّعاء لأبي بكر وعمر ، بدليل قوله: إنّي لا غنى بي عنهما ، فإنّهما من الدّين بمنزلة السَّمع والبصر من الرّأس .
فكأنّه دعا بأن يمتّع بهما في حياته ، وأن يرثاه خلافة النُّبوَّة بعد وفاته . ولا يجد العلماء لهذا الحديث وجهاً ولا تأويلاً غير هذا . فرأيت أبا هريرة في المنام ، وكنت مارّاً في مقبرة سراسكبهر ، فقال لي: أتعرفني؟ فقلت: لا .
قال: أنا أبو هريرة . أصبت ما قلت ، أنا رويت هذا الحديث وكذا أراد به النبي صلى الله عليه وسلم ما فسّرت . سمعت أبا الفضل يقول: مرضت حتّى غلب على ظنّي أنّي سأموت ، فاشتدّ الأمر وعندي أبي وعمر خادم لنا ، فكان أبي يقول: يا بنيّ أكثر من ذكر الله .
فأشهدته وعمر على نفسي ، أنّي على دين الإسلام ، وعلى السُّنّة . فرأيت وأنا على تلك الحال كأنّ هيبةً دخلت قلبي ، فنظرت فإذا أنا برجلٍ يأتي من جهة القبلة ، ذو هيبة وجمال ، كأنّه يسبح في الهواء ، فازددت له هيبةً . فلمّا قرب منّي قال لي: قل .
قلت: نعم . وهبته أن أقول له: ماذا أقول . فكرَّر علي وقال: قل .
قلت: نعم ، أقول . فقال: قل الإيمان يزيد وينقص ، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته ، وأنّ الله تعالى يرى في الآخرة ، وقل بفضل الصّحابة ، فإنّهم خيرٌ من الملائكة بعد الأنبياء . قلت: لست أطيق أن أقول ذلك من الهيبة .
فقال: قل معي . فأعاد الكلمات فقلتها معه ، فتبسَّم ، وقال: أنا أشهد لك عند العرش . فلمّا تبسَّم سكن قلبي ، وذهبت عنّي الهيبة ، فأردت أن أسأله: هل أنا ميت؟ فكأنّه عرف ، فقال: أنا لا أدري .
أو قال: من أين أدري؟ فقلت في نفسي: هذا ملك ، وعوفيت من المرض . وسمعته يقول: أصابني وجعٌ شديد ، فرأيت في المنام كأنّ قائلاً يقول لي: اقرأ على وجعك الآيات الّتي فيها اسم الله الأعظم . فقلت: ما هي؟ قال: بديع السَّماوات والأرض إلى قوله : اللَّطيف الخبير .
فقرأته فعوفيت . وسمعته يقول: أتاني رجلٌ من خراسان فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني في منامي وأنا في مسجد المدينة ، فقال لي: إذا أتيت همذان فاقرأ على أبي الفضل بن زيرك منّي السَّلام . قلت: يا رسول الله ، لماذا؟ قال: لأنّه يصلّي عليَّ في كلّ يومٍ مائة مرّة .
فقال: أسألك أن تعلّمنيها . فقلت: إنّي أقول كلّ يوم مائة مرّة أو أكثر: اللّهمَّ صلَّ على محمد النّبيّ الأمّيّ ، وعلى آل محمد ، جزى الله محمداً صلى الله عليه وسلم عنّا ما هو أهله . فأخذها عنّي ، وحلف لي: إنّي ما كنت عرفتك ولا اسمك حتّى عرَّفك لي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فعرضت عليه برّاً لأنّي ظننته متزيِّداً في قوله ، فما قبل منّي وقال: ما كنت لأبيع رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرضٍ من الدّنيا . ومضى فما رأيته بعد ذلك .