هيّاج بن عبيد بن حسين
هيّاج بن عبيد بن حسين ، الفقيه الزّاهد أبو محمد الحطّينيّ . وحطّين: قرية بين عكا وطبرّية ، بها قبر شعيب عليه السّلام فيما قيل . سمع أبا الحسن عليّ بن موسى السِّمسار ، وعبد الرحمن بن عبد العزيز بن الطُّبيز ، ومحمد بن عوف المزنيّ ، وجماعة بدمشق ، وأبا ذرّ الهرويّ بمكّة ، وعبد العزيز الأزجيّ وغيره ببغداد ، ومحمد بن الحسين الطّفّال ، وعليّ بن حمِّصة بمصر ، والسَّكن بن جميع بصيدا ، ومحمد بن أحمد بن سهل بقيساريّة .
روى عنه هبة الله الشّيرازيّ في معجمه فقال: أخبرنا هيّاج الزّاهد الفقيه ، وما رأت عيناي مثله في الزُّهد والورع . وروى عنه محمد بن طاهر ، وعمر الرُّواسيّ ، ومحمد بن أبي عليّ الهمذانيّ ، وثابت بن منصور القيسرانيّ ، وإبراهيم بن عثمان الرّازقيّ ، وأبو نصر هبة الله السِّجزيّ ، وغيرهم . قال ابن طاهر المقدسيّ: كنّا جلوساً بالحرم ، فتمارى اثنان أيُّهما أحسن: مصر ، أو بغداد؟ فقلت: هذا يطول ، ولا يفصل بينكما إلاّ من دخل البلدين .
فقالوا: من هو؟ فقلت: الفقيه هيَّاج . فقمنا بأجمعنا إليه ، قال: فيم جئتم؟ فقصصت عليه وقلت: قد احتكما إليك . فأطرق ساعةً ثمّ قال: أقول لكما أيُّهما أطيب؟ قلنا: نعم .
فقال: البصرة . قلت: إنّما سألا عن مصر وبغداد ، فقال: البصرة أطيب؛ ذاك الخراب وقلّة النّاس ، ويطيب القلب بتلك المقابر والزّيارات . وأمّا بغداد ومصر ، فليس فيهما خير من الزَّحمة والأكاسرة .
وكان هيّاج فقيه الحرم بعد رافع الحمّال ، وسمعته يقول: كان لرافع الحمّال في الزُّهد قدم ، وإنّما تفقّه أبو إسحاق الشّيرازيّ ، وأبو يعلى ابن الفرّاء بمراعاة رافع . كانوا يتفقّهون ، وكان يكون معهما ثمّ يروح يحمل على رأسه ، ويعطيهما ما يتقوَّتان به . قال ابن طاهر: كان هيّاج قد بلغ من زهده أنّه يصوم ثلاثة أيّام ، ويواصل ولا يفطر إلاّ على ماء زمزم .
فإذا كان آخر اليوم الثّالث من أتاه بشيء أكله ، ولا يسأل عنه . وكان قد نيّف على الثّمانين ، وكان يعتمر في كلّ يومٍ ثلاث عمر على رجليه ، ويدّرس عدّة دروس لأصحابه . وكان يزور عبد الله بن عبّاس بالطّائف كلّ سنة مرّة ، يأكل بمكّة أكلة ، وبالطّائف أخرى .
وكان يزور النبّيَّ صلى الله عليه وسلم كلّ سنة مع أهل مكّة . كان يتوقّف إلى يوم الرحيل ، ثمّ يخرج ، فأوّل من أخذ بيده كان في مؤنته إلى أن يرجع ، وكان يمشي حافياً من مكّة إلى المدينة ذاهباً وراجعاً . وسمعته يقول: وقد شكى إليه بعض أصحابه أنّ نعله سرقت في الطّوّاف: اتَّخذ نعلين لا يسرقهما أحد .
ورزق الشهادة في وقعةٍ وقعت لأهل السُّنَّة بمكّة ، وذلك أنّ بعض الرّوافض شكى إلى أمير مكّة: أنّ أهل السُّنَّة ينالون منّا ويبغضونا . فأنفذ وأخذ الشّيخ هيَّاجاً ، وجماعة من أصحابه ، مثل أبي محمد ابن الأنماطي ، وأبي الفضل بن قوّام ، وغيرهما . وضربهم ، فمات الاثنان في الحال ، وحمل هيّاج إلى زاويته ، وبقي أيّاماً ، ومات من ذلك رضي الله عنه .
وقال السّمعانيّ: سألت إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ ، عن هيّاج بن عبيد ، فقال: كان فقيهاً زاهداً . وأثنى عليه .