حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد بن محمد بن جهير

محمد بن محمد بن جهير ، الوزير فخر الدولة ، أبو نصر الثعلبي ، مؤيد الدين ، ناظر ديوان حلب ، ووزير ميافارقين . كان من رجال العالم حزما ودهاء ورأيا . سعى إلى أن قدم بغداد ، وتوصل إلى أن ولي وزارة أمير المؤمنين القائم بأمر الله في سنة أربعٍ وخمسين وأربعمائة ، ودامت دولته مدة .

ولما بويع المقتدي بالله أقره على الوزارة عامين ، ثم عزله في حدود سنة سبعين . وفي سنة ست وسبعين استدعاه السلطان ملكشاه ، فعقد له على ديار بكر ، وسار معه الأمير أرتق بن أكسب صاحب حلوان ، فلما وصلوا فتح زعيم الرؤساء أبو القاسم ابن الوزير أبي نصر مدينة آمد ، بعد أن حاصرها حصارا شديدا . ثم فتح أبوه فخر الدولة ميافارقين بعد أشهر .

وكان رئيسا جليلا ، مدحه الشعراء ، وعاش نيفا وثمانين سنة ، وتوفي بالموصل ، وكان قد قدمها متوليا من جهة ملكشاه في سنة اثنتين وثمانين . وكان الخليفة قد أعاده إلى الوزارة مدة ، قبل سنة ثمانين ، وفي حدودها . وولد في ثالث عشر المحرم سنة اثنتين وأربعمائة .

قال ابن النجار في تاريخه : ذكر أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمذاني أنه نشأ بالموصل ، وبها ولد ، وكان مشتغلا بالتجارة ، ثم تركها ، وصحب قرواش بن المقلد بن المسيب أمير عبادة . فلما قبض الأمير بركة على أخيه قرواش قرب منه أبا نصر ، ونفذه رسولا إلى القسطنطينية . ثم كاتبه ابن مروان صاحب ديار بكر ، فورد عليه ووزر له في أول سنة ست وأربعين وأربعمائة ، وذلك في آخر أيام ابن مروان ، فاستولى أبو نصر على الأمور ، ووصل إلى ما لم يصل إليه غيره بشهامته وإقدامه ، على صعاب الأمور ، فأقام الهيبة ، وأكثر العطاء والبذل ، وكاتبه ملوك الأطراف بالشيخ الأجل الناصح كافي الدولة .

ومدحه الشعراء ، وقصده العلماء . فلما مات ابن مروان سنة ثلاثٍ وخمسين أقام ولده نصر بن أبي نصر في الإمرة ، فحاربه إخوته سعيد ، وأبو الفوارس ، واختلفوا ، فسفر أبو نصر أمواله ، وكاتب القائم في وزارته ، وبذل له ثلاثين ألف دينار ، فخرج إليه طراد النقيب ، وأظهر أنه في رسالة إلى ابن مروان ، فلما عاد طراد من ميافارقين خرج ابن جهير لتوديعه ، فصحبه إلى بغداد ، ومعه ولداه عميد الدولة أبو منصور محمد ، وزعيم الرؤساء أبو القاسم ، فتلقاه أرباب الدولة ، ووزر للقائم ، ولقبه فخر الدولة ، وكانت الخطبة بالشام جميعه إلى عانة تقام للمصريين ، فكاتب فخر الدولة أهل دمشق ، وبني كلب ومحمود ابن الزوقلية صاحب حلب والمتميزين بها وجماعتهم أصدقاؤه ، يدعوهم إلى الدعوة العباسية ، فأجابوه ، وجاءت رسلهم بالطاعة . قال : وعزله القائم في سنة ستين ، وأخرج من بغداد ، ورشحٍ للوزارة أبو يعلى كاتب هزارسب ، وطلب من همذان ، فأتته المنية بغتة لسعادة ابن جهير فطلبه القائم وأعاده إلى الوزارة ، وبقي إلى أن عزل في أول سنة سبعين ، فإن السعاة سعت بينه وبين نظام الملك وزير السلطان ، فكلف النظام السلطان أن يكتب إلى الخليفة يطلب منه أن يعزل ابن جهير ، فعزله .

ثم صارت الوزارة إلى ولده عميد الدولة . قال محمد بن أبي نصر الحميدي : حدثني أبو الحسن محمد بن هلال ابن الصابئ ، قال : حدثني الوزير فخر الدولة بن جهير ، قال : حدثني نصير الدولة أبو نصر بن مروان صاحب آمد وميافارقين ، قال : كان بعض مقدمي الأكراد معي على الطبق ، فأخذت حجلة مشوية ، فناولته ، فأخذها وضحك . فقلت : مم تضحك ؟ قال : خبرٌ .

فألححت عليه ، ودافع عن الجواب ، حتى رفعت يدي وقلت : لا آكل حتى تعرفني . فقال : شيء ذكرتنيه الحجلة ، كنت أيام الشباب قد أخذت تاجرا وما معه ، وقربته لأذبحه خوفا من غائلته ، فقال : يا هذا ، قد أخذت مالي ، فدعني أرجع إلى عيالي فأكد عليهم ، وبكى وتضرع إلي ، فلم أرق له ، فلما آيس من الحياة التفت إلى حجلين على جبلٍ وقال : اشهدا لي عليه عند الله أنه قاتلي ظلما . فقتلته ، فلما رأيت الحجلة الآن ذكرت حمقه في استشهاده الحجل علي .

قال ابن مروان : فحين سمعت قوله اهتززت حتى ما أملك نفسي ، وقلت : قد والله شهدت الحجلتان عليك عند من أقادك بالرجل ، وأمرت بأخذه ، وكتفوه ، ثم ضربت رقبته بين يدي ، فلم آكل حتى رأيت رأسه تبرأ من بدنه . قلت للوزير : قد والله ذكر التنوخي في كتاب النشوار مثل هذه الحكاية بعينها ، عن الراسبي عامل خوزستان ، لا تزيد حرفا ، ولا تنقص حرفا ، وعجبنا من اتفاق الحكايتين . توفي فخر الدولة في يوم الثلاثاء ثامن صفر سنة ثلاثٍ بالموصل .

موقع حَـدِيث