عبد السّلام بن محمد بن يوسف بن بندار
عبد السّلام بن محمد بن يوسف بن بندار ، أبو يوسف القزويني . شيخ المعتزلة . نزل بغداد ، وسمع أبا عمر بن مهدي الفارسي ، وعبد الجبّار بن أحمد الهمذاني القاضي المعتزلي ، ودرس عليه الكلام بالرّي .
وسمع بهمذان أبا طاهر بن سلمة ، وبحرّان أبا القاسم علي بن محمد الزّيدي ، وبأصبهان أبا نعيم الحافظ . وسمع من أبيه ، وعمّه إبراهيم . وسماعه قبل الأربع مائة .
روى عنه أبو القاسم ابن السمرقندي ، وأبو غالب ابن البنّاء ، وهبة الله بن طاوس ، ومحمود بن محمد الرّحبي ، وإسماعيل بن محمد الأصبهاني الحافظ ، وأبو بكر قاضي المرستان ، وأبو البركات الأنماطي ، وأحمد بن محمد أبو سعد البغدادي ، وآخرون . قال السّمعاني : كان أحد المعمّرين والفضلاء المقدّمين ، جمع التفسير الكبير الذي لم ير في التفاسير كتابٌ أكبر منه ، ولا أجمع للفوائد ، لولا أنه مزجه بكلام المعتزلة ، وبثّ فيه معتقده ، وما اتّبع نهج السّلف فيما صنّفه من الوقوف على ما ورد في الكتاب والسّنّة والتصديق بهما . وأقام بمصر سنين ، وحصّل أحمالاً من الكتب ، وحملها إلى بغداد ، وكان داعيةً إلى الاعتزال .
سمعت أبا سعد البغدادي الحافظ يقول : كان يصرّح بالاعتزال . وقال ابن عساكر : هو مصنف مشهور . سكن طرابلس مدّةً ، ثمّ عاد إلى بغداد .
سمعت الحسين بن محمد البلخي يقول : إنّ أبا يوسف صنّف التفسير في ثلاث مائة مجلّد ونيّف ، وقال : من قرأه علي وهبته النّسخة . فلم يقرأه عليه أحد . وسمعت هبة الله بن طاوس يقول : دخلت على أبي يوسف ببغداد وقد زمن ، فقال : من أين أنت ؟ قلت : من دمشق .
قال : بلد النّصب . وقال ابن النّجّار : قرأت بخط أبي الوفاء بن عقيل الفقيه : قدم علينا القاضي أبو يوسف القزويني من مصر ، وكان يفتخر بالاعتزال . وكان فيه توسّع في القدح في العلماء الذين يخالفونه وجرأة .
وكان إذا قصد باب نظام الملك يقول لهم : استأذنوا لأبي يوسف القزويني المعتزلي . وكان طويل اللسان بعلمٍ تارةٍ ، وبسفهٍ يؤذي به الناس أخرى . ولم يكن محقّقاً إلا في التفسير ، فإنّه لهج بالتفاسير حتّى جمع كتاباً بلغ خمس مائة مجلّد ، حشى فيه العجائب ، حتّى رأيت منه مجلّدة في آيةٍ واحدة ، وهي قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ فذكر فيه السّحرة والملوك الذين نفق عليهم السّحر وأنواع السّحر وتأثيراته .
وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك : ملك أبو يوسف القزويني كتباً لم يملك أحدٌ مثلها ، فكان قومٌ يقولون ابتاعها من مصر بالخبز وقت شدّة الغلاء . وحدّثني أبو منصور عبد المحسن بن محمد أنّه ابتاعها بالأثمان الغالية . وكان يحضر بيع كتب السّيرافي ، وهو شاهدٌ معروف بمصر ، وبيعت كتبه في سنتين ، وزادت على أربعين ألف مجلّدة .
قال : وكان أبو يوسف يبتاع في كلّ أسبوع بمائة دينار ، ويقول : قد بعت رحلي وجميع ما في بيتي . وكان الرؤساء هناك يواصلونه بالذّهب . وقيل : إنّه قدم بغداد معه عشرة أحمال كتب ، وأكثرها بالخطوط المنسوبة .
وعنه قال : ملكت ستين تفسيراً ، منها تفسير ابن جرير ، و تفسير الجبائي ، و تفسير ابنه أبي هاشم ، و تفسير أبي مسلم بن بحر ، و تفسير البلخي . قال محمد بن عبد الملك : وأهدى أبو يوسف لنظام الملك أربعة أشياء ما لأحدٍ مثلها : غريب الحديث لإبراهيم الحربي في عشر مجلّدات بخطّ أبي عمر بن حيّويه ، و شعر الكميت في ثلاث عشرة مجلّدة بخطّ أبي منصور ، و عهد القاضي عبد الجبّار بن أحمد بخطّ الصّاحب بن عبّاد وإنشائه ، فسمعت أبا يوسف يقول : كان سبع مائة سطر ، كلّ سطر في ورقة سمرقندي ، وله غلاف آبنوس يطبق كالأسطوانة الغليظة ، وأهدى له مصحفاً بخطّ منسوب واضح ، وبين الأسطر القراءات بالحمرة ، وتفسير غريبه بالخضرة ، وإعرابه بالزّرقة ، وكتب بالذّهب علامات على الآيات التي تصلح للانتزاعات في العهود ، والمكاتبات ، والتّعازي ، والتّهاني ، والوعيد . فأعطاه نظام الملك ثلاث مائة دينار .
فسمعت من يسأل أبا يوسف عن نظام الملك فقال : أعطيته أكثر ممّا أعطاني ، وإنّما رضيت منه بالإكرام ، وعذرته حين قال : ليس عندي حلال لا شبهة فيه سوى هذا القدر . وسئل عنه المؤتمن السّاجّي فقال : قطعته رأساً لما كان يتظاهر به من خلاف الطّريق . وقال محمد بن عبد الملك في تاريخه : كان أبو يوسف فصيح العبارة ، حلو الإشارة ، يحفظ غرائب الحكايات والأخبار .
وكان زيدي المذهب ، وفسّر بمصر القرآن في سبع مائة مجلّدٍ كبار . قلت : وقد دخل عليه الإمام أبو حامد الغزالي ، وجلس بين يديه ، فسأله : من أين أنت ؟ فقال : من المدرسة ببغداد . وقال الغزالي : علمت أنه ذو اطلاع ومعرفة ، فلو قلت إنني من طوس ، لذكر ما يحكى عن أهل طوس من التّغفيل ، من أنهم توسلّوا إلى المأمون بقبر أبيه ، وكونه عندهم ، وطلبوا منه أن يحوّل الكعبة ، وينقلها إلى عندهم ، وأنّه جاء عن بعضهم أنّه سئل عن نجمه ، فقال : بالتيس .
فقيل له في ذلك ، فقال : من سنين كان بالجدي ، والآن فقد كبر . قال ابن عساكر : وسمعت من يحكي أنّه كان بأطرابلس ، فقال له ابن البرّاج : متكلّم الرّافضة : ما تقول في الشّيخين ؟ فقال : سفلتان ساقطان . قال : من تعني ؟ قال : أنا وأنت .
وقال أبو علي بن سكّرة الصّدفي : أبو يوسف القزويني كان معتزلياً داعية ، كان يقول : لم يبق من ينصر هذا المذهب غيري . وكان قد بلغ من السّنّ مبلغاً يكاد أن يخفى في الموضع الذي كان يجلس فيه ، وله لسانٌ شابّ . ذكر لي أن له تفسيراً في القرآن في نحو ثلاث مائة مجلّد ، سبعة منها في سورة الفاتحة .
وكان عنده جزءٌ ضخمٌ ، من حديث محمد بن عبد الله الأنصاري ، رواية أبي حاتم الرّازي ، عنه ، كنت أودّ أن يكون عند غيره بما يشق عليّ .قرأت عليه بعضه ، رواه عن القاضي عبد الجبار المعتزلي ، عن رجل عنه . وكان سبب مشيي إليه أن شيخنا ابن سوار المقرئ سألني أن أمضي مع ابنيه لأسمعهما عليه ، فأجبته ، وقرأ لهما شيئاً من حديث المحاملي ، وأخبرنا أنه سمع ذلك سنة تسعٍ وتسعين وثلاث مائة ، وهو ابن أربع سنين أو نحوها . قال لي : كنت في سنّ هذا - يعني ولد شيخنا ابن سوار - وكنت أعقل من أبيه .
وكان لا يسالم أحداً من السّلف ؛ وكان يقول لنا : اخرجوا تدخل الملائكة يريد المحدّثين . قال : ولم أكتب عنه حرفاً . يعني ابن سكّرة أّنه لا يحدّث عنه ؛ وقد روى عنه شعراً ، وذكره في مشيخته .
قال شجاع الذّهلي : أبو يوسف القزويني أحد شيوخ المعتزلة ، عاش ستاً وتسعين سنة . ذكر لي أن مولده في سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاث مائة . وقل ابن ناصر : مات في رابع عشر ذي القعدة ، وقال مرّةً : ولدت في نصف شعبان .