حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة إحدى وتسعين وأربعمائة

500 هـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم (الحوادث) سنة إحدى وتسعين وأربعمائة قال ابن الأثير : ابتداء دولة الفرنج ، لعنهم الله ، في سنة ثمان وسبعين ، فملكوا طليطلة وغيرها من الأندلس ، ثم قصدوا صقلية في سنة أربع وثمانين فملكوها ، وأخذوا بعض أطراف إفريقية ، وخرجوا في سنة تسعين إلى بلاد الشام ، فجمع ملكهم بردويل جمعاً كثيراً ، وبعث إلى الملك رجار صاحب صقلية يقول : أنا واصل إليك وسائر من عندك إلى إفريقية أفتحها ، وأكون مجاوراً لك ، فاستشار رجار أكابر دولته ، فقالوا : هذا جيد لنا وله ، وتصبح البلاد بلاد النصرانية ، فضرط ضرطةً ، وقال : وحق ديني ، هذه خير من كلامكم ! قالوا : ولم ؟ قال : إذا وصل احتاج إلى كلفة كبيرة ومراكب وعساكر من عندي ، فإن فتحوا إفريقية كانت لهم ويأخذون أكثر مغل بلادي ، وإن لم يفلحوا رجعوا إلى بلادي وتأذيت بهم ، ويقول تميم - يعني ابن باديس - : غدرت ونقضت العهد ، ونحن إن وجدنا قوة أخذنا إفريقية ، ثم أحضر الرسول ، وقال : إذا عزمتم على حرب المسلمين فالأفضل فتح بيت المقدس ، تخلصونه من أيديهم ، ويكون لكم الفخر ، وأما إفريقية فبيني وبين صاحبها عهود وأيمان ، فتركوه وقصدوا الشام . وقيل : إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجوقية واستيلاءهم على الشام ودخول آتسز إلى القاهرة وحصارها ، كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوه . وقيل : إنهم عبروا خليج القسطنطينية وقدموا بلاد قليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش السلجوقي ، فالتقاهم ، فهزموه في رجب سنة تسعين ، واجتازوا ببلاد ليون الأرمني فسلكوها ، وخرجوا إلى أنطاكية فحاصروها ، فخاف ياغي سيان من النصارى الذين هم رعيته ، فأخرج المسلمين خاصة لعمل الخندق ، فأصلحوه ، ثم أخرج النصارى كلهم من الغد لعمل الخندق أيضا ، فعملوا فيه إلى العصر ، ومنعهم من الدخول ، وأغلق الأبواب ، وأمن غائلة النصارى ، وحاصرته الفرنج تسعة أشهر ، وهلك أكثر الفرنج قتلاً وموتاً بالوباء ، وظهر من شجاعة ياغي سيان وحزمه ورأيه ما لم يشهد من غيره ، وحفظ بيوت رعيته النصارى بما فيها ، ثم إن الفرنج راسلوا الزراد أحد المقدمين ، وكان متسلماً برجاً من السور ، فبذلوا له مالاً ، فعامل على المسلمين وطلعوا إلى أن تكاملوا خمسمائة ، فضربوا البوق وقت السحر ، ففتح ياغي سيان الباب ، وهرب في ثلاثين فارساً ، ثم هرب نائبه في جماعة .

واستبيحت أنطاكية ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وذلك في جمادى الأولى من سنة إحدى وتسعين ، وأسقط في يد ياغي سيان صاحبها ، وأكل يديه ندماً حيث لم يقف ويقاتل عن حرمه حتى يقتل ، فلشدة ما لحقه سقط مغشياً عليه ، وأراد أصحابه أن يركبوه ، فلم يكن فيه حيل يتماسك به ، بل قد خارت قوته ، فتركوه ونجوا ، فاجتاز به أرمني حطاب ، فرآه بآخر رمق ، فقطع رأسه ، وحمله إلى الفرنج . وقال صاحب المرآة : وكثر النفير على الفرنج ، وبعث السلطان بركياروق إلى العساكر يأمرهم بالمسير مع عميد الدولة للجهاد ، وتجهز سيف الدولة صدقة بن مزيد ، فجاءت الأخبار إلى بغداد بأن أنطاكية أخذت ، وأن الفرنج صاروا إلى المعرة ، وكانوا في ألف ألف إنسان ، فنصبوا عليها السلالم ، ودخلوها ، وقتلوا بها مائة ألف نفس ، وسبوا مثل ذلك ، وفعلوا بكفرطاب كذلك . قلت : دافع أهل المعرة عنها ، وقاتلوا قتال الموت حتى خذلوا ، فقتل بها عشرون ألفا ، فهذا أصح .

وقال أبو يعلى ابن القلانسي : وأما أنطاكية فقتل بها وسبي من الرجال والنساء والأطفال ما لا يدركه حصر ، وهرب إلى القلعة تقدير ثلاثة آلاف تحصنوا بها . قال أبو يعلى : وبعد ذلك أخذوا المعرة في ذي الحجة . قال ابن الأثير : ولما سمع قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل بذلك ، جمع الجيوش وسار إلى الشام ، ونزل بمرج دابق ، فاجتمعت معه عساكر الشام ، تركها وعربها ، سوى جند حلب ، فاجتمع معه دقاق وطغتكين أتابك ، وجناح الدولة صاحب حمص ، وأرسلان صاحب سنجار ، وسقمان بن أرتق وغيرهم ، فعظمت المصيبة على الفرنج ، وكانوا في وهن وقحط ، وسارت الجيوش فنازلتهم ، ولكن أساء كربوقا السيرة في المسلمين ، وأغضب الأمراء وتحامق ، فأضمروا له الشر ، وأقامت الفرنج في أنطاكية بعد أن ملكوها ثلاثة عشر يوماً ، ليس لهم ما يأكلونه ، وأكل ضعفاؤهم الميتة وورق الشجر ، فبذلوا البلد بشرط الأمان ، فلم يعطهم كربوقا .

وكان بردويل ، وصنجيل ، وكندفري ، والقمص صاحب الرها ، وبيمنت صاحب أنطاكية ، ومعهم راهب يرجعون إليه ، فقال : إن المسيح كانت له حربة مدفونة بأنطاكية ، فإن وجدتموها نصرتم ، ودفن حربة في مكان عفاه ، وأمرهم بالصوم والتوبة ثلاثة أيام ، ثم أدخلهم إلى مكان ، وأمر بحفره ، فإذا بالحربة ، فبشرهم بالظفر وخرجوا للقاء ، وعملوا مصافاً ، فولى بعض العساكر حرب كربوقا ، لما في قلبهم منه ، وما كان ذا وقت ذا ، فاشتغل بعضهم ببعض ، ومالت عليهم الفرنج ، فهزمتهم ، وهربوا من غير أن يقاتلوا ، فظنت الفرنج أنها مكيدة ، إذ لم يجر قتال يوجب الهزيمة ، وثبت جماعة من المجاهدين ، وقاتلوا خشية ، فحطمتهم الفرنج ، واستشهد يومئذ ألوف ، وغنمت الفرنج من المسلمين معظم ثقلهم ورختهم . ثم ساروا إلى المعرة ، فحاصروها أياماً ، ثم داخل المسلمين فشل وهلع ، وظنوا أنهم إذا تحصنوا بالدور الكبار امتنعوا بها ، فنزلوا من السور إلى الدور ، فرآهم طائفة أخرى ، ففعلوا كفعلهم ، فخلا مكانهم من السور ، فصعدت الفرنج على السلالم ، ووضعوا فيهم السيف ثلاثة أيام ، وقتلوا ما يزيد على مائة ألف ، وملكوا جميع ما فيها . وساروا إلى عرقة ، فحصروها أربعة أشهر ، ونقبوا أماكن ، ثم صالحهم عليها صاحب شيزر ابن منقذ ، فساروا ونازلوا حمص ، ثم صالحهم جناح الدولة على طريق إلى عكا .

وفيها شغب الجند على السلطان بركياروق وقالوا : لا نسكت لك حتى تسلم إلينا مجد الملك القمي المستوفي - وكان قد أساء السيرة ، وضيق أرزاقهم - ، فقال القمي : نفسي فداؤك دعهم يقتلوني ويبقى عليك ملكك ، فقال : والله لا مكنتهم منك ، وعزم على إخفائه ، فقيل له : متى خرج عنك قتلوه ، ولكن اشفع فيه ، فبعثه وقال للأمراء : السلطان يشفع إليكم فيه ، فثاروا به وقتلوه ، ثم جاؤوا وقبلوا الأرض بين يدي بركياروق ، فسكت . وقال أبو يعلى : وفيها سار أمير الجيوش أحمد حتى نازل بيت المقدس وحاصره ، وأخذه من سقمان بن أرتق .

موقع حَـدِيث