سنة أربع وتسعين وأربعمائة في وسطها كان مصاف كبير بين السلطانين : محمد ، وبركياروق ، كان مع بركياروق خمسون ألفاً ، فانهزم محمد ، وأسر وزيره مؤيد الملك ، فذبحه بركياروق بيده ، وكان بخيلاً ظالما ، سيئ الخلق ، مذموم السيرة ، إلا أنه كان من دهاة العالم ، عاش خمسين سنة . ودخل بركياروق إلى الري وسجد لله ، وجاء إلى خدمته صاحب الموصل كربوقا ، ونور الدولة دبيس ولد صدقة . وانهزم محمد إلى خراسان ، فأقام بجرجان ، وراسل أخاه لأبويه الملك سنجر يطلب منه مالاً وكسوة ، فسير إليه ما طلب ، ثم تحالفا وتعاهدا واتفقا. ولم يكن بقي مع محمد غير ثلاثمائة فارس ، فقدم إليه أخوه سنجر وانضم إليهما عسكر كثير ، وتضرر بالعسكر أهل خراسان . وأما السلطان بركياروق ، فصار جيشه قريباً من مائة ألف ، فغلت الأسعار ، واستأذنته الأمراء في التفرق للغلاء ، فبقي في عسكر قليل ، فبلغ ذلك أخويه ، فقصداه وطويا المراحل ، فتقهقر ونقصت هيبته ، وقصد همذان ، فبلغه أن إياز متوليها قد راسل محمداً ليكون معه ، فسار إلى خوزستان ، ثم خرج إلى حلوان . وأما إياز فلم يقبله محمد ، فخاف وهرب إلى عند بركياروق ، فدخلت أصحاب محمد ، ونهبوا حواصله ، فيقال إنهم أخذوا له خمسمائة فرس عربية ، وتكامل مع بركياروق خمسة آلاف ضعفاء ، قد ذهبت خيامهم وثقلهم ، فقدم بهم بغداد ، وتمرض ، وبعث يشكو قلة المال إلى الديوان ، فتقرر الأمر على خمسين ألف دينار حملت إليه ، ومد أصحابه أيديهم إلى أموال الرعية وظلموهم . وخرج عن طاعته صاحب الحلة ، وخطب لأخيه محمد ، وفي آخر العام وصل محمد وسنجر إلى بغداد ، وجاء إلى خدمته إيلغازي بن أرتق ، وتأخر بركياروق وهو مريض إلى واسط ، وأصحابه ينهبون القرى ويأكلون ، وفرح الخليفة والناس بالسلطان محمد . وفيها أو في حدودها ظهرت الباطنية بالعراق ونواحيها ، وكثروا ؛ قال أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم : أول ما عرف من أخبار الباطنية ، في أيام ملك شاه ، أنهم اجتمعوا فصلوا العيد في ساوة ، ففطن بهم الشحنة ، فأخذهم وحبسهم ، ثم أطلقهم ، فسألوا مؤذناً من أهل ساوة أن يدخل في مذهبهم ، فامتنع ، فخافوا أن ينم عليهم ، فقتلوه ، فرفع ذلك إلى نظام الملك ، فأخذ رجلاً نجاراً اتهمه بقتله فقتله ، فتحيلوا حتى قتلوا نظام الملك ، وهو أول من فتكوا به ، وكانوا يقولون : قتلتم منا نجاراً ، فقتلنا به نظام الملك ، ثم استفحل أمرهم بأصبهان ، ولما مات السلطان ملكشاه ، آل أمرهم إلى أنهم كانوا يسرقون الناس فيقتلونهم ويلقونهم في الآبار ، فكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله يئسوا منه ، وبلغ من حيلهم أنهم أجلسوا امرأة على حصير لا تبرح منه ، فدخلوا الدار ، يعني الأعوان ، فأزالوها ، فوجدوا تحت الحصير بئراً فيها أربعون قتيلاً ، فقتلوا المرأة ، وهدموا الدار ، وكانوا يجلسون ضريراً على باب زقاقهم ، فإذا مر به إنسان سأله أن يقوده إلى رأس الزقاق ، فإذا فعل جذبه من في الدار إليها فقتلوه ، فجد أهل أصبهان فيهم ، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً . وأول قلعة ملكوها قلعة الروذبار بناحية أصبهان ، كانت لقماج صاحب ملكشاه ، وكان متهماً بمذهبهم ، فلما مات ملكشاه أعطوه ألفاً ومائتي دينار ، فسلمها إليهم في سنةٍ ثلاث وثمانين ، وقيل : لم يكن ملكشاه مات بعد . وكان مقدمهم يقال له الحسن بن الصباح ، وأصله من مرو ، وكان كاتباً لبعض الرؤساء ، ثم صار إلى مصر وتلقى من دعاتهم ، وعاد داعيةً للقوم ، وحصل هذه القلعة ، وكان لا يدعو إلا غبياً ، ثم يذكر له ما تم على أهل البيت من الظلم ، ثم يقول له : إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في القتال مع بني أمية ، فما سبب تخلفك بنفسك عن إمامك ؟ فيتركه بهذه المقالة طعمة للسباع . وكان ملكشاه نفذ إليه يتهدده ويأمره بالطاعة ، ويأمره أن يكف أصحابه عن قتل العلماء والأمراء ، فقال للرسول : الجواب ما تراه ، ثم قال لجماعة بين يديه : أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في حاجةٍ ، فمن ينهض بها ؟ فاشرأب كل واحدٍ منهم ، وظن الرسول أنها حاجة ، فأومى إلى شاب فقال : اقتل نفسك ، فجذب سكيناً ، فقال بها في غلصمته ، فخر ميتاً ، وقال لآخر : ارم نفسك من القلعة ، فألقى نفسه فتقطع ، ثم قال للرسول : قل له عندي من هؤلاء عشرون ألفاً ، هذا حد طاعتهم ، فعاد الرسول وأخبر ملكشاه ، فعجب ، وأعرض عن كلامهم . وصار بأيديهم قلاع كثيرة ، منها قلعة على خمسة فراسخ من أصبهان ، وكان حافظها رجلاً تركياً ، فصادقه نجارُ منهم ، وأهدى له جارية ، وقوساً ، فوثق به ، وكان يستنيبه في حفظ القلعة ، فاستدعى النجار ثلاثين رجلاً من أصحاب ابن غطاس ، وعمل دعوة ، ودعا التركي وأصحابه ، وسقاهم الخمر ، فلما سكروا استقى الثلاثين بحبال إليه ، فقتلوا أصحاب التركي ، وسلم التركي وحده ، فهرب ، وملكوا القلعة . وقطعوا الطرقات ما بين فارس وخوزستان ، وانصرف جماعة من أصحاب جاولي إليهم وصاروا منهم ؛ ثم ظفر جاولي بثلاثمائة منهم ، فأحاط هو وجنده بهم فقتلوهم ، وكان جماعة منهم في عسكر بركياروق ، فاستغووا خلقاً منهم ، فوافقوهم ، فاستشعر أصحاب السلطان منهم ، ولبسوا السلاح ، ثم قتلوا منهم نحو مائة رجل . وكان بنواحي المشان رجل منهم يتزهد ويدعي الكرامات ، أحضر مرة جدياً مشوياً لأصحابه ، فأكلوا منه ، وأمر برد عظامه إلى التنور ، فردت ، وجعل على التنور طبقاً ، ثم رفع الطبق فوجدوا جدياً يرعى حشيشاً ، ولم يروا ناراً ولا رماداً ، فتلطف بعض أصحابه حتى عرف بأن التنور كان يفضي إلى سرداب ، وبينهما طبق من حديد يدور بلولب ، فيفرك اللولب ، فتدور النار ، ويجيء بدلها الجدي والمرعى . وقال الغزالي في كتاب سر العالمين : شاهدت قصة الحسن بن الصباح لما تزهد تحت حصن ألموت ، فكان أهل الحصن يتمنون صعوده إليهم ، ويمتنع ويقول : أما ترون المنكر كيف فشا ؟ وفسد الناس ، فصار إليه خلق ، فخرج أمير الحصن يتصيد ، وكان أكثر تلامذته في الحصن ، فأصعدوه إليهم وملكوه ، وبعث إلى الأمير من قتله ، ولما كثرت قلاعهم ، واشتغل عنهم أولاد ملكشاه باختلافهم اغتالوا جماعة من الأمراء والأعيان . وللغزالي - رحمه الله - كتاب فضائح الباطنية ، ولابن الباقلاني ، والقاضي عبد الجبار ، وجماعة : الرد على الباطنية ، وهم طائفة خبيثة ، يظهرون الزهد ، والمراقبة ، والكشف ، فيضل بهم كل سليم الباطن . قال ابن الأثير : وفي شعبان من سنة أربعٍ وتسعين أمر السلطان بركياروق بقتل الباطنية ، وهم الإسماعيلية ، وهم القرامطة ، قال : وتجرد بأصبهان للانتقام منهم أبو القاسم مسعود بن محمد الخجندي الفقيه الشافعي ، وجمع الجم الغفير بالأسلحة ، وأمر بحفر أخاديد أوقدوا فيها النيران ، وجعل عليها رجلاً لقبوه مالكاً ، وجعلت العامة يأتون ويلقونهم في النار ، إلى أن قتلوا منهم خلقاً كثيراً ، إلى أن قال : وكان الحسن بن الصباح رجلاً شهماً ، كافياً ، عالما بالهندسة ، والحساب ، والنجوم ، والسحر ، وغير ذلك ، وكان رئيس الري أبو مسلم ، فاتهم ابن صباح بدخول جماعة من دعاة المصريين عليه ، فخافه ابن صباح وهرب ، فلم يدركه أبو مسلم ، وكان ابن صباح من جملة تلامذة أحمد بن غطاس الطبيب الذي ملك قلعة أصبهان ، وسافر ابن صباح فطاف البلاد ، ودخل على المستنصر صاحب مصر ، فأكرمه وأعطاه مالاً ، وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته ، فقال له الحسن بن الصباح : فمن الإمام بعدك ؟ فأشار إلى ابنه نزار . ولما هلك المستنصر واستخلف ولده المستعلي صار نزار هذا إلى الإسكندرية ، ودعا إلى نفسه ، فاستجاب له خلق ، ولقب بالمصطفى لدين الله ، وقام بأمر دولته ناصر الدولة أفتكين مولى أمير الجيوش بدر ، وهذا في سنة سبع وثمانين وأربعمائة. فسار عسكر مصر لحصار الإسكندرية في سنة ثمانٍ وثمانين ، فخرج ناصر الدولة وطردهم ، فردوا خائبين ، ثم سار الأفضل فحاصر الإسكندرية وأخذها ، وأسر نزارا ، وأفتكين وعدة ، وجرت أمور . ودخل الحسن بن صباح خراسان ، وكاشغر ، والنواحي ، يطوف على قوم يضلهم ، فلما رأى قلعة ألموت بناحية قزوين أقام هناك ، وطمع في إغوائهم ، ودعاهم في السر ، وأظهر الزهد ، ولبس المسوح ، فتبعه أكثرهم . وكان نائب ألموت رجلاً أعجمياً علوياً ، فيه بله وسلامة صدر ، وكان حسن الظن بالحسن ، يجلس إليه ، ويتبرك به ، فلما أحكم الحسن أمره دخل يوماً على العلوي فقال له : اخرج من هذه القلعة ، فتبسم ، وظنه يمزح ، فأمر الحسن بعض أصحاب العلوي فأخرجوه ، وأعطاه ماله ، فبعث نظام الملك لما بلغه الخبر عسكراً ، فنازلوه وضايقوه ، فبعث من قتل نظام الملك ، وترحل العسكر عن ألموت ، ثم بعث السلطان محمد بن ملكشاه إليها العسكر وحاصروها . ومن جملة ما استولوا عليه من القلاع : قلعة طبس ، وزوزن ، وقاين، وسيمكوه ، وتأذى بهم أهل أبهر ، واستغاثوا بالسلطان ، فبعث عسكراً حاصروها ثمانية أشهر ، وفتحت ، وقتل كل من بها ، ولهم عدة قلاعٍ سوى ما ذكرنا . قال : وكان تيرانشاه ابن تورانشاه بن قاروت بك السلجوقي بكرمان قد قتل الإسماعيلية الأتراك أصحاب الأمير إسماعيل ، وكانوا قوماً سنة ، قتل منهم ألفي رجل صبراً ، وقطع أيدي ألفين ، ونفق عليه أبو زرعة الكاتب ، فحسن له مذهب الباطنية ، فأجاب ، وكان عنده الفقيه أحمد بن الحسين البلخي الحنفي ، وكان مطاعاً في الناس ، فأحضره عنده ليلةً ، وأطال الجلوس ، فلما خرج أتبعه من قتله ، فلما أصبح دخل عليه الناس ، وفيهم صاحب جيشه ، فقال : أيها الملك ، من قتل هذا الفقيه ؟ فقال : أنت شحنة البلد ، تسألني من قتل هذا ؟ أنا أعرف قاتله ! ونهض ، ففارقه الشحنة في ثلاثمائة فارس ، وسار من كرمان إلى ناحية أصبهان ، فجهز الملك خلفه ألفي فارس فقاتلهم وهزمهم . وقدم أصبهان وبها السلطان محمد ، فأكرمه . وأما عسكر كرمان ، فخرجوا على تيرانشاه ، وحاربوه وطردوه عن مدينة بردسير التي هي قصبة كرمان ، وأقاموا عليهم ابن عمه أرسلان شاه ، وأما تيرانشاه فالتجأ إلى مدينة صغيرة ، فمنعه أهلها وحاربوه ، وأخذوا خزائنه ، ثم تبعه عسكر ، فأخذوه ، وأخذوا أبا زرعة ، فقتلهما أرسلان شاه . واستفحل أمر الباطنية وكثروا ، وصاروا يتهددون من لا يوافقهم بالقتل ، حتى صارت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم ، وكان الوزير الأعز أبو المحاسن يلبس زرديةً تحت ثوبه ، وأشارت الأمراء على بركياروق السلطان بقصدهم قبل أن يعجز عن تلافي أمرهم ، فأذن في قتلهم ، وركب هو والعسكر وطلبوهم ، وأخذوا جماعة من خيامهم . وممن قتل واتهم بأنه مقدمهم الأمير محمد بن كاكويه صاحب يزد ، ونهبت خيامه ، وقتل جماعة برءاء سعى بهم أعداؤهم . وقد كان أهل عانة نسبوا إلى هذا المذهب قديماً في أيام المقتدي بالله ، فأنهي حالهم إلى الوزير أبي شجاع ، فطلبهم ، فأنكروا وجحدوا ، فأطلقهم. واتهم إلكيا الهراسي مدرس النظامية بأنه باطني ، فأمر السلطان محمد بالقبض عليه ، ثم شهدوا له ببراءة الساحة ، فأطلق . وفيها حاصر الأمين بزغش ، وهو أكبر أمراء الملك سنجر ، حصن طبس الذي فيه الإسماعيلية ، وضيق عليهم ، وخرب كثيراً من سورها بالمنجنيق ، ولم يبق إلا أخذها ، فرحل عنهم وتركهم ، فبنوا السور ، وملؤوا القلعة ذخائر ، ثم عاودهم بزغش سنة سبعٍ وتسعين . وفيها سار كندفري صاحب القدس إلى عكا فحاصرها ، فأصابه سهم فقتله ، فسار أخوه بغدوين ، ويقال : بردويل ، إلى القدس في خمسمائة ، فبلغ الملك دقاق صاحب دمشق ، فنهض إليه هو وجناح الدولة صاحب حمص ، فانكسرت الفرنج . وفيها ملكت الفرنج سروج ، من بلاد الجزيرة ، لأنهم كانوا قد ملكوا الرها بمكاتبةٍ من أهلها النصارى ، وليس بها من المسلمين إلا قليل ، فحاربهم سقمان ، فهزموه في هذه السنة ، وساروا إلى سروج ، فأخذوها بالسيف ، وقتلوا وسبوا . وفيها ملكوا مدينة حيفا ، وهي بقرب عكا على البحر ، أخذوها بالأمان ، وأخذوا أرسوف بالأمان. وفي رجب أخذوا قيسارية بالسيف ، وقتلوا أهلها . وفي رمضان أمر المستظهر بالله بفتح جامع القصر ، وأن تصلى فيه التراويح ، وأن يجهر بالبسملة ، ولم تجر بهذا عادة ، وإنما تركوا الجهر بالبسملة في جوامع بغداد مخالفة للشيعة أصحاب مصر ، وأمر أيضا بالقنوت على مذهب الشافعي . قصة ابن قاضي جبلة أبي محمد عبيد الله بن صليحة : كانت جبلة تحت حكم ابن عمار صاحب طرابلس ، فتعانى ابن صليحة الجندية ، وكان أبوه قاضياً ، فطلع هو فارساً شجاعاً ، فأراد ابن عمار أن يمسكه ، فعصى عليه ، وأقام الخطبة العباسية ، وحوصر ، فلم يقدروا عليه ، ثم لما غلبت الفرنج حاصروه ، فشنع أن بركياروق وعساكره قد توجهوا إلى الشام ، فرحلت الفرنج ، ثم عاودوه ، فأرجفهم بمجيء المصريين ، فرحلوا عنه ، ثم عادوا لحصاره ، فقرر مع رعيته النصارى أن يراسلوا الفرنج ، ويواعدوهم إلى برج ليطلعوا منه ، فبادروا وندبوا ثلاثمائة من شجعانهم ، فلم يزالوا يطلعون في الحبال واحداً واحداً ، وكلما طلع واحد قتله ابن صليحة ، إلى أن قتلهم أجمعين ، فلما طلع الضوء صفف الرؤوس على السور ، ثم إنهم هدموا برجاً ، فأصبح وقد عمله ، وكان يخرج من الباب بفوارسه يقاتل ، فحملوا مرة عليه ، فانهزم فتبعه الفرنج ، فخرج أهل البلد ، وركبوا أكتافهم فانهزموا ، وجاء النصر ، وأسر مقدم الفرنج ، ثم علم ابن صليحة أن الفرنج لا ينامون عنه ، فسلم البلد إلى صاحب دمشق ، وسار إلى بغداد بأمواله وخزائنه ، وأخذ له السلطان بركياروق شيئاً كثيراً . وفيها أقبل جيش للفرنج ، نحو خمسين ألفا ، فمروا ببلاد قلج أرسلان ، فحشد وجمع وعرض ستة آلاف فارس نقاوة ، وعمل له كميناً ، فكسر الفرنج كسرة مشهورة ، وغنم ما لا يوصف . قال ابن منقذ : حدثني محمد المستوفي رسول جناح الدولة إلى ملك الروم ، أنهم اعتبروا عدتهم ، فكانوا ثلاثمائة ألف وخمسة وأربعين ألف إنسان ، ومعهم خمسون حمل ذهب وفضةٍ وديباجٍ ، فانضاف إليهم الذين انهزموا من الوقعة المذكورة ، فجمع قلج أرسلان الترك ببلاده ، فزادوا على خمسين ألفاً ، وغور الماء الذي في طريقهم ، وأحرق العشب ، وأخلى القرى ، فأقبلوا في أرض بلا ماء ولا مرعى . قال : وحدثني رسول رضوان إلى ملك الفرنج طنكلي أنه اجتمع مع الملك تبنين صاحب هذا الجمع ، فقال : خرجت من بلادي في أربعمائة ألف ، منهم ألفا شرابي ، وألف طباخ ، وألف فراش ، وسبعمائة بغل ديباج ، ومال ، والخيالة تزيد على خمسين ألفاً ، ولما سرت عن القسطنطينية أياماً ، لم أجد مرفقاً ، ولا قبلت من صنجيل في غير هذه الطريق ، ولا أتمكن من العودة لضعف الناس والعطش والجوع ، فعند الإياس خرجت في ثلاثة نفر ، معنا كلاب وبزاة ، أوهمت الناس أني أتصيد ، وسرت إلى البحر ، فنزلت في مركب ، وتركت العسكر ، وبلغني أن الترك دخلوه ، فلم يمنع أحد عن نفسه ، وهلكوا بالموت والقتل ، وغنم التركمان ما لا يوصف ، ثم سار تبنين وحج القدس ، ورجع إلى بلاده في البحر . وفيها قدم عسكر المصريين ، فالتقاهم الفرنج ، فانهزم الفريقان بعد ملحمة كبيرة بقرب عسقلان .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/655557
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة