محمد بن محمد بن محمد بن جهير
محمد بن محمد بن محمد بن جهير ، الوزير عميد الدولة أبو منصور ابن الوزير فخر الدولة . وزر في أيام والده ، وخدم ثلاثة خلفاء ، ولما احتضر القائم بأمر الله أوصى به ولد ولده المقتدي بالله . وولي الوزارة للمقتدي سنة اثنتين وسبعين ، فبقي فيها خمس سنين ، ثم عزل بالوزير أبي شجاع ، ثم عاد إلى الوزارة عند عزل أبي شجاع سنة أربعٍ وثمانين ، فبقي في الوزارة تسعة أعوام .
وكان خبيراً ، كافياً ، مدبراً ، شجاعاً ، نبيلاً ، رئيساً ، تياهاً معجباً ، فصيحاً ، مفوهاً ، مترسلاً ، يتقعر في كلامه ، وله هيبة وسكون ، وكلماته معدودة ، وفضائله كثيرة ، وللشعراء فيه مدائح جمة ، وآخر أمره أن الخليفة حبسه في داره بعد أن صادره وزير السلطان بركياروق ، وأخذ منه خمسة وعشرين ألف دينار في رمضان ، ثم أخرج من دار الخلافة ميتاً في سادس عشر شوال ، وحمل إلى بيته ، وغسل ودفن بتربة له ، فقيل: إنه أهلك في حمام أغلق عليه . وقيل: بل أهلك بأمراض وأوجاع مع شدة الخوف والفرق . وكان قد اشتهر بالوفاء والعفة ، وجودة الرأي ، ووفور الهيبة ، وكمال الرياسة ، لم يكن يعاب بأشد من التكبر الزائد ، فمن الذي كان يفرح بأن ينظر إليه نظرة أو يكلمه كلمة .
قال مرة لولد الشيخ أبي نصر ابن الصباغ: اشتغل وتأدب ، وإلا كنت صباغاً ، بغير أب ، فلما خرج من عنده هنأه من حضر بأن الوزير خاطبه بهذا . ولما تغير المستظهر عليه بسعي صاحب الديوان هبة الله بن المطلب ، وناظر الخزانة الحسن بن عبد الواحد بن الحصين ، وصاحب ديوان الإنشاء ابن الموصلايا إلى المستظهر - وكانوا قد خافوا منه - فخرج المرسوم بحفظ باب العامة لأجله ، فأمر زوجته بالخروج إلى الحلة ، وهيأ لنفسه صندوقاً يدخل فيه ، ويكون من جملة صناديق زوجته ، فلما قعد فيه أسرع الخروج منه وقال: لا يتحدث الناس عني بمثل هذا . وكان خواص الخليفة أيضا قد ملوه وسئموه ، فأخذ وحبس .
قال ابن الحصين المذكور: وجدت عميد الدولة قد استحال في محبسه ، واشتد إشفاقه ، جعل يخاطبني ويقول: يا روحي ويا قرة عيني ، وأنشدني في عرض حديثه: إذا أراد الله خيرا بامرئ وكان ذا رأي وعقل وبصر أغراه بالجهل وأعمى قلبه وسله من رأيه سل الشعر حتى إذا أنفذ فيه حكمه رد إليه عقله ليعتبر ثم قال: نازلت الحصون وشهدت الوقائع والحروب فاستهنت خطبها ، وقد قنطت من النجاة ، وما أعرفها إلا منك ، وأريد المقام في مكان آمن فيه بسفارتك ، فقد غرقت بالمصيبة ، فوعدته بأنني أستعطف الخليفة ، وخرجت وجلست أكتب ما أرقق به قلب الخليفة عليه ، فدخل علي أبو نصر ابن الموصلايا ، فجذب الورقة مني ، وقال: لئن خرج ، فما يبعد هلاكنا بتوصله ، لأنه يعلم أن القبض عليه كان من جانبك ، فترك ابن الحصين الكتابة . وقال ابن الحصين: آخر ما سمع منه التشهد والرجوع إلى الله . وكان المستظهر بالله قد أقطع عميد الدولة إقطاعاً بثلاثين ألف دينار ، فعمره ، فقال الذين تكلموا فيه للخليفة: إنه قد أخرب نواحيك وعمر نواحيه ، وأنه وأنه .
فقبض عليه . وكان مولده في أول سنة خمس وثلاثين ، وقدم بغداد مع أبيه وله عشرون سنة ، فسمع الحديث في الكهولة من أبي نصر الزينبي ، وعاصم بن الحسن ، وأبي إسحاق الشيرازي ، وأبي القاسم ابن البسري . سمع منه إسماعيل ابن السمرقندي ، وأبو بكر محمد بن عمر البخاري المعروف بكاك ، وقاضي القضاة أبو القاسم علي بن الحسين الزينبي وغيرهم .
وقد شكى إليه الحراس تأخر أرزاقهم ، فكتب على رقعتهم: من باع طيب يومه بقوت يومه فسبيله أن يوفى ، وهؤلاء قوم ضعفاء . وقال قاضي القضاة أبو الحسن علي ابن الدامغاني: كنا بحضرة عميد الدولة ، فسقط من السقف حية عظيمة ، واضطربت بين يديه ، فبعدنا ، واستحالت ألواننا سواه ، فإنه جلس موضعه حتى قتلها الفراشون . ومن شعر عميد الدولة: إلى متى أنت في حل وترحال تبغي العلى والمعالي مهرها غال يا طالب المجد ، دون المجد ملحمة في طيها خطر بالنفس والمال ولليالي صروف قل ما انجذبت إلى مراد امرئ يسعى لآمال