حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

يوسف بن تاشفين

يوسف بن تاشفين ، السلطان أبو يعقوب اللمتوني المغربي البربري ، الملقب بأمير المسلمين ، وبأمير المرابطين ، وبأمير الملثمين ، والأول هو الذي استقر . كان أحد من ملك البلاد ، ودانت بطاعته العباد ، واتسعت ممالكه ، وطال عمره ، وقل أن عمر أحد من ملوك الإسلام ما عمر ، وهو الذي بنى مدينة مراكش ، وهو الذي أخذ الأندلس من المعتمد بن عباد وأسره . فمن أخباره أن بر البربر الجنوبي كان لزناتة ، فخرج عليهم من جنوبي المغرب من البلاد التي تتاخم أرض السودان الملثمون عليهم أبو بكر بن عمر ، وكان رجلا خيرا ساذجا ، فأخذت الملثمة البلاد من زناتة من تلمسان إلى البحر الأكبر ، فسمع أبو بكر أن امرأة ذهبت ناقتها في غارةٍ فبكت وقالت : ضيعنا أبو بكر بدخوله إلى المغرب ، فتألم واستعمل على المغرب يوسف بن تاشفين هذا ، ورجع أبو بكر إلى بلاد الجنوب .

وكان ابن تاشفين بطلا شجاعا ، عادلا ، اختط مراكش ، وكان مكمنا للصوص وكان ذلك المكان مأوى للحرامية ، فكان المارون به يقول بعضهم لبعض : مراكش ، وكان بناء مدينة مراكش في سنة خمسٍ وستين وأربعمائة ، اشتراها يوسف بماله الذي خرج به من الصحراء ، وكان في موضعها غابة من الشجر وقرية فيها جماعة من البربر ، فاختطها ، وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة ، وهي في مرجٍ فسيحٍ ، وحولها جبال على فراسخ منها ، وبالقرب منها جبل عليه الثلج ، وهو الذي يعدل مزاجها ، وقيل : كانت ملكا لعجوزٍ مصمودية ، فأسكن مراكش الخلق ، وكثرت جيوشه وبعد صيته ، وخافته ملوك الأندلس ، وكذلك خافته ملوك الفرنج لأنها علمت أنه ينجد الأندلسيين عليهم . وكان قد ظهر للملثمين في الحروب ضربات بالسيوف تقد الفارس ، وطعنات تنظم الكلى ، فكتب إليه المعتمد يتلطف به ، ويسأله أن يعرض عن بلاده لما رأى همته على قصد الأندلس ، وأنه تحت طاعته ، فيقال : كان في الكتاب : فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم ، ولم تنسب إلى عجز ، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقلٍ ، ولم ننسب إلى وهن ، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا ، وإن في استبقائك ذوي البيوت دواما لأمرك وثبوت ، وأرسل إليه تحفا وهدايا ، وكان بربريا لا يكاد يفهم ، ففسر له كاتبه تلك الكلمات ، وأحسن في المشورة عليه ، فأجاب إلى السلم ، وكتب كاتبه على لسانه : من يوسف بن تاشفين ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية من سالمكم ، وسلم إليكم ، حكمه التأييد والنصر فيما حكم عليكم ، وإنكم في أوسع إباحة مما بأيديكم من الملك ، وإنكم مخصوصون منا بأكرم إيثار ، فاستديموا وفاءنا بوفائكم ، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم ، والله ولي التوفيق لنا ولكم ، والسلام ، ففرح بكتابه ابن عباد وملوك الأندلس ، وقويت نفوسهم على دفع الفرنج ، ونووا إن رأوا من ملك الفرنج ما يريبهم أن يستنجدوا بابن تاشفين ، وصارت لابن تاشفين بفعله محبة في نفوس أهل الأندلس . ثم إن الأذفونش ألح على بلاد ابن عباد ، فقال ابن عباد في نفسه : إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا ، فأهون الأمرين أمر الملثمين ، ورعاية أولادنا جمالهم أهون من أن يرعوا خنازير الفرنج ، وبقي هذا الرأي نصب عينيه ، فقصده الأذفونش في جيشٍ عرمرم ، وجفل الناس ، فطلب من ابن تاشفين النجدة ، والجهاد ، وكان ابن تاشفين على أتم أهبةٍ ، فشرع في عبور جيشه ، فلما رأى ملوك الأندلس عبور البربر للجهاد ، استعدوا أيضا للنجدة ، وبلغ ذلك الأذفونش ، فاستنفر دين النصرانية ، واجتمع له جنود لا يحصيهم إلا الله ، ودخل مع ابن تاشفين شيء عظيم من الجمال ، ولم يكن أهل جزيرة الأندلس يكادون يعرفون الجمال ، ولا تعودتها خيلهم ، فتجافلت منها ومن رغائها وأصواتها ، وكان ابن تاشفين يحدق بها عسكره ، ويحضرها الحروب ، فتنفر خيل الفرنج عنها ، وكان الأذفونش نازلا بالزلاقة بالقرب من بطليوس ، فقصده حزب الله ، وقدم ابن تاشفين بين يديه كتابا إلى الفرنج يدعوهم إلى الإسلام ، أو الحرب ، أو الجزية ، ثم أقبلت الجيوش ، ونزلت تجاه الفرنج ، فاختار ابن عباد أن يكون هو المصادم للفرنج أولا ، وأن يكون ابن تاشفين ردفا له ، ففعلوا ذلك ، فخذل الفرنج ، واستحر القتل فيهم ، فيقال : إنه لم يفلت منهم إلا الأذفونش في دون الثلاثين ، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة ، وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ، وعف يوسف عن الغنائم ، وآثر بها ملوك الأندلس ليتم له الأجر ، فأحبوه وشكروا له ، وكانت ملحمة عظيمةٍ قل أن وقع في الإسلام مثلها ، وجرح فيها ملك الفرنج ، وجمعت رؤوس الفرنج ، فكانت كالتل العظيم .

ثم عزم ابن عباد على أمير المسلمين يوسف ، ورام أن ينزل في ضيافته ، فأجابه ، فأنزله في قصوره على نهر إشبيلية ، فرأى أماكن نزهة ، كثيرة الخير والحسن والرزق ، وبالغ المعتمد بن عباد وأولاده في خدمة أمير المسلمين ، وكان رجلا بربريا ، قليل التنعم والتلذذ والرفاهية ، فرأى ما هاله من الحشمة والفرش والأطعمة الفاخرة ، فأقبل خواصه عليه ينبهونه على تلك الهيئة ويحسنونها ، ويقولون : ينبغي أن تتخذ ببلادك نحو هذا ، فأنكر عليهم ، وكان قد دخل في الشيخوخة ، وفنيت إرادته ، وأدمن على عيش بلاده ، ثم أخذ يعيب طريقة المعتمد وتنعمه المفرط ، وقال : من يتعانى هذه اللذات لا يمكن أن يعدل كما ينبغي أبدا ، ومن كان هذا همته متى تشحذ في حفظ بلاده ورعيته ! ثم سأل يوسف : هل يفعل المعتمد هذا التنعم في كل أوقاته ؟ فقيل له : بل كل زمانه على هذا ، فسكت ، وأقام عنده أياما ، فأتى المعتمد رجل عاقل ناصح ، فخوفه من غائلة ابن تاشفين ، وأشار عليه بأن يقبض عليه ، وأن لا يطلقه حتى يأمر كل من بالأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء : ثم تتفق أنت وملوك الأندلس على حراسة البحر من سفينة تجري له ، ثم تتوثق منه بالأيمان أن لا يغدر ، ثم تطلقه ، وتأخذ منه على ذلك رهائن . فأصغى المعتمد إلى مقالته واستوصبها ، وبقي يفكر في انتهاز الفرصة ، وكان له ندماء قد انهمكوا معه في اللذات ، فقال أحدهم لهذا الرجل : ما كان أمير المؤمنين ، وهو إمام أهل المكرمات ممن يعامل بالحيف ويغدر بالضيف ، قال : إنما الغدر أخذ الحق ممن هو له ، لا دفع المرء عن نفسه ، قال النديم : بل كظم مع وفاءٍ خير من حزم مع جفاء ، ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه ، وشكر له المعتمد ، وأجازه ، فبلغ الخبر ابن تاشفين ، فأصبح غاديا ، فقدم له المعتمد هدايا عظيمة ، فقبلها وعبر إلى سبتة ، وبقي جل عسكره بالجزيرة يستريحون . وأما الأذفونش ، فقدم إلى بلده في أسوأ حال ، فسأل عن أبطاله وبطارقته ، فوجد أكثرهم قد قتلوا ، وسمع نوح الثكالى عليهم ، فلم يأكل ولا التذ بعيشٍ حتى مات غما ، وخلف بنتا ، فتحصنت بطليطلة .

ثم أخذ عسكر ابن تاشفين يغيرون ، حتى كسبوا من الفرنج ما تجاوز الحد ، وبعثوا ، بالمغانم إلى مراكش ، واستأذن مقدمهم سير بن أبي بكر ابن تاشفين في المقام بالأندلس ، وأعلمه أنه قد افتتح حصونا ، ورتب فيها ، وأنه لا يستقيم الأمر إلا بإقامته ، فكتب إليه ابن تاشفين يأمره بإخراج ملوك الأندلس من بلادهم وإلحاقهم بالعدوة ، فإن أبوا عليه حاربهم ، وليبدأ بالثغور ، ولا يتعرض للمعتمد . فابتدأ سير بملوك بني هود يستنزلهم من قلعة روطة ، وهي منيعة إلى الغاية ، وماؤها ينبوع في أعلاها ، وبها من الذخائر المختلفة ما لا يوصف ، فلم يقدر عليها ، فرحل عنها ، ثم جند أجنادا على زي الفرنج ، وأمرهم أن يقصدوها كالمغيرين ، وكمن هو والعسكر ، ففعلوا ذلك ، فرأى ابن هود قلتهم ، فاستضعفهم ، ونزل في طلبهم ، فخرج عليه سير ، فأسره وتسلم القلعة ، ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس ، فسلموا إليه ، ولحقوا بالعدوة ، ثم نازل بني صمادح بالمرية ، فمات ملكهم في الحصار ، فسلموا المدينة ، ثم نازلوا المتوكل عمر بن الأفطس ببطليوس ، فخامر عليه أصحابه ، فقبضوا عليه ، ثم قتل صبرا . ثم إن سير كتب إلى ابن تاشفين أنه لم يبق بالجزيرة غير المعتمد فأمره أن يعرض عليه التحول إلى العدوة بأهله وماله ، فإن أبى فنازله ، فلما عرض عليه سير ذلك لم يجبه ، فسار وحاصره أشهرا ، ثم دخل عليه البلد قهرا ، وظفر به ، وبعثه إلى العدوة مقيدا ، فحبس بأغمات إلى أن مات ، وتسلم سير الجزيرة كلها .

وقال ابن دحية أو غيره : نزل يوسف على مدينة فاس في سنة أربع وستين وأربعمائة وحاصرها ، ثم أخذها ، فأقر العامة ، ونفى البربر والجند عنها بعد أن حبس رؤوسهم ، وقتل منهم ، وكان مؤثرا لأهل العلم والدين ، كثير المشورة لهم . وكان معتدل القامة ، أسمر ، نحيفا ، خفيف العارضين ، دقيق الصوت ، حازما ، سائسا ، وكان يخطب لبني العباس ، وهو أول من تسمى بأمير المسلمين ، وكان يحب العفو والصفح ، وفيه خير وعدل . وقال أبو الحجاج يوسف البياسي في كتاب تذكير الغافل : إن يوسف ابن تاشفين جاز البحر مرة ثالثة ، وقصد قرطبة ، وهي لابن عباد ، فوصلها سنة ثلاثٍ وثمانين ، فخرج إليه المعتمد بالضيافة ، وجرى معه على عادته ، ثم إن ابن تاشفين أخذ غرناطة من عبد الله بن بلقين بن باديس ، وحبسه ، فطمع ابن عباد في غرناطة ، وأن يعطيه ابن تاشفين إياها ، فعرض له بذلك ، فأعرض عنه ابن تاشفين وخاف ابن عباد منه ، وعمل على الانفصال عنه لا يمسكه ، ورد ابن تاشفين إلى مراكش في رمضان من السنة ، فلما دخلت سنة أربع عزم على العبور إلى الأندلس لمنازلة المعتمد بن عباد ، فاستعد له ابن عباد ، ونازلته البربر ، فاستغاث بالأذفونش ، فلم يلتفت إليه .

وكانت إمرة يوسف بن تاشفين عند موت أبي بكر بن عمر أمير المسلمين سنة اثنتين وستين وأربعمائة ، وكانت الدولة قبلهما لزناتة ، وكانت دولة ظالمة فاجرة ، وكان ابن تاشفين وعسكره فيهم يبس وديانة وجهاد ، فافتتح البلاد ، وأحبته الرعية ، وضيق لثامه هو وجماعته ، فقيل : إنهم كانوا يتلثمون في الصحراء كعادة العرب ، فلما تملك ضيق ذلك اللثام . قال عزيز : ومما رأيته عيانا أنه كان لي صديق منهم بدمشقٍ ، وبيننا مودة ، فأتيته ، فدخلت وقد غسل عمامته ، وشد سرواله على رأسه ، وتلثم به ، هذا بعد أن انقضت دولتهم ، وتفرقوا في البلاد ، وحكى لي ثقة أنه رأى شيخا من الملثمة بالمغرب منزويا في نهر يغسل ثيابه وهو عريان ، وعورته بادية ، ويده اليمنى يغسل بها ، ويده اليسرى يستر بها وجهه ! وقد جعل هؤلاء اللثام لوجوههم جنة ، فلا يعرف الشيخ منهم من الشاب ، فلا يزيلونه ليلا ولا نهارا ، حتى أن المقتول منهم في المعركة لا يكاد يعرفه أهله ، حتى يجعلوا على وجهه لثاما ، ولبعضهم : قوم لهم درك العلى في حميرٍ وإن انتموا صنهاجةً فهم هم لما حووا إحراز كل فضيلةٍ غلب الحياء عليهمو فتلثموا وتزوج ابن تاشفين بزينب زوجة أبي بكر بن عمر ، وكانت حاكمة عليه ، وكذلك جميع الملثمين يكبرون نساءهم ، وينقادون لأمرهن ، وما يسمون الرجل منهم إلا بأمه . وهنا حكاية ، وهي أن ابن خلوف القاضي الأديب كان له شعر ، فبلغ زينب هذه أنه مدح حواء امرأة سير بن أبي بكر ، وفضلها على جميع النساء بالجمال ، فأمرت بعزله عن القضاء ، فسار إلى أغمات ، واستأذن عليها ، فدخل البواب فأعلمها به ، فقالت : يمضي إلى التي مدحها ترده إلى القضاء ، فأبلغه ، فعز عليه ، وبقي بالحضرة أياما حتى فنيت نفقته ، فأتى خادمها فقال : قد أردت بيع هذا المهر ، فأعطني مثقالين أتزود بهما إلى أهلي ، وخذه فأنت أولى به ، فسر الخادم وأعطاه ، ودخل مسرورا بالمهر ، وأخبر الست ، فرقت عليه وندمت ، وقالت : ائتني به ، فأسرع وأدخله عليها ، فقالت : تمدح حواء وتسرف ، وزعمت أنه ليس في النساء أحسن منها ، وما هذه منزلة القضاة ، فقال في الحال : أنت بالشمس لاحقه وهي بالأرض لاصقه فمتى ما مدحتها فهي من سير طالقه فقالت: يا قاضي طلقتها ؟ ! قال : نعم ، ثلاثة وثلاثة وثلاثة ، فضحكت حتى افتضحت ، وكتبت إلى يوسف يرده إلى القضاء .

قلت : ولا ريب أن يوسف ملك من الملوك ، بدت منه هنات وزلات ، ودخل في دهاء الملوك وغدرهم ، ولما أخذ إشبيلية من المعتمد شن عسكر ابن تاشفين الغارة بإشبيلية ، وخلوا أهلها على برد الديار ، وخرج الناس من بيوتهم يسترون عوراتهم بأيديهم ، واقتضت الأبكار ، وتتابعت الفتوحات لابن تاشفين ، وكانت فقهاء الأندلس قالوا له : لا تجب طاعتك حتى يكون لك عهد من الخليفة ، فأرسل إلى العراق قوما من أهله بهدايا ، وكتابا ، يذكر فيه ما فعل بالفرنج ، فجاءه من المستظهر بالله أحمد رسول بهدية ، وتقليد وخلعة ، وراية ، وكان يقتدي بآراء العلماء ، ويعظم أهل الدين ، ونشأ ولده علي في العفاف والدين والعلم ، فولاه العهد في سنة تسعٍ وتسعين وأربعمائة . وتوفي يوسف في يوم الاثنين ثالث المحرم سنة خمس مائة ، ورخه ابن خلكان ، وقبله عز الدين ابن الأثير ، وغيرهما ، وعاش تسعين سنة . قال اليسع بن حزم : فمن فضله أنه لما أراد بناء مراكش ادعى قوم مصامدة فيها أرضا ، فأرضاهم بمالً عظيم ، وكان يلبس العباء ، ويؤثر الحياء ، ويقصد مقاصد العز في طرق المعالي ، ويكره السفساف ، ويحب الأشرف المتعالي ، ويقلد العلماء ، ويؤثر الحكماء ، يتدين بمرضاتهم ، وإذا دخل عليه من طول ثيابه وجرها كره إليه وجهه وأعرض عنه ، فإن كان ذا ولاية عزله ، وكان كثير الصدقة عظيم البر والصلة للمساكين ، رحمه الله تعالى .

موقع حَـدِيث