حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

حوادث سنة إحدى وخمسمائة

510 هـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الحوادث حوادث سنة إحدى وخمسمائة كان سيف الدولة صدقة قد صار ملك العرب في زمانه ، وبنى الحلة ومصرها ، وقبل ذلك كان صاحب عمود وبيوت شعر ، فعظم شأنه ، وارتفع قدره ، وصار ملجأً لمن يستجير به ، وكان معينًا للسلطان محمد على أخيه في حروبه ، وناصرًا له ، فزاد إقطاعه مدينة واسط ، وأذن له في أخذ البصرة ، ثم أفسد ما بينهما العميد أبو جعفر محمد بن الحسن البلخي مع ما كان يفعله صدقة من إجارة من يلتجئ إليه من أعداء السلطان محمد ، وشغب العميد السلطان عليه ، ثم زاد عليه بأن صبغه بأنه من الباطنية ، ولم يكن كذلك ؛ بل كان شيعيًا ، وسخط السلطان على أبي دلف سرخاب صاحب ساوة ، فهرب منه ، فأجاره صدقة ، فطلبه السلطان منه ، فامتنع ، إلى أمور أخر ، فتوجه السلطان إلى العراق . فاستشار صدقة أصحابه ، فأشار عليه ابنه دبيس بأن ينفذه إلى السلطان بتقادم وتحف وخيل ، وأشار سعيد بن حميد صاحب جيش صدقة بالحرب ، فأصغى إليه ، وجمع العساكر ، وبذل الأموال ، فاجتمع له عشرون ألف فارس ، وثلاثون ألف راجل ، فأرسل إليه المستظهر بالله ينهاه عن الخروج ، ويعده بأن يصلح أمره ، وأرسل السلطان يطمئنه ويطيب قلبه ، ويأمره بالتجهيز معه لقصد غزو الفرنج ، فأجاب بأن السلطان قد ملؤوا قلبه علي ، وقال صاحب جيشه : لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع . ودخل السلطان بغداد في ربيع الآخر جريدة لا يبلغ عسكره ألفي فارس ، فلما تيقن ببغداد منابذة صدقة له ، بعث شحنة بغداد سنقر البرسقي في عسكر ، فنزل على صرصر ، وبعث بريدًا يستحث عساكره فأسرعوا إليه ، ثم نشبت الحرب بين الفريقين شيئًا فشيئًا ، وتراسلوا في الصلح غير مرة ، فلم يتفق ، وجرت لهم أمور طويلة ، ثم التقى صدقة والسلطان في تاسع عشر رجب ، فكانت الأتراك ترمي الرشقة عشرة آلاف سهم ، فتقع في خيل العرب وأبدانهم ، وبقي أصحاب صدقة كلما حملوا منعهم نهر بين الفريقين من الوصول ، ومن عبر إليهم لم يرجع ، وتقاعدت عبادة وخفاجة شفقة على خيلها ، وبقي صدقة يصيح : يا آل خزيمة ، يا آل ناشرة ، ووعد الأكراد بكل جميل لما رأى من شجاعتهم ، وكان راكبًا على فرسه المهلوب ، ولم يكن لأحد مثله ، فجرح الفرس ثلاث جراحات ، وكان له فرس آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر ، فلما رأى الترك قد غشوا صدقة هرب عليه ، فناداه صدقة ، فلم يرد عليه ، وحمل صدقة على الأتراك وضرب غلاما منهم في وجهه بالسيف ، وجعل يفتخر ويقول : أنا ملك العرب ، أنا صدقة ، فجاءه سهم في ظهره ، وأدركه بزغش مملوك أشل ، فجذبه عن فرسه فوقع ، فقال : يا غلام ، أرفق ، فضربه بالسيف ؛ قتله ، وحمل رأسه إلى السلطان ، وقتل من أصحابه أكثر من ثلاثة آلاف فارس ، وأسر ابنه دبيس ، وصاحب جيشه سعيد بن حميد .

وكان صدقة كثير المحاسن في الجملة ، محببا إلى الرعية ، لم يتزوج على امرأته ، ولا تسرى عليها ، وكان عنده ألوف مجلدات من الكتب النفيسة ، وكان متواضعًا محتملًا ، كثير العطاء . وأما طرابلس ، فلما طال حصارها ، وقلت أقواتها ، وعظمت بليتها ولا قوة إلا بالله ، منَّ الله عليهم سنة خمسمائة بميرة جاءتهم في البحر ، فتقووا شيئًا ، واستناب فخر الملك أبو علي بن عمار على البلد ابن عمه ، وسلف المقاتلة رزق ستة أشهر ، وسار منها إلى دمشق ؛ ليمضي إلى بغداد فأظهر ابن عمه العصيان ، ونادى بشعار المصريين ، فبعث فخر الملك إلى أصحابه ، يأمرهم بالقبض عليه ، ففعلوا به ذلك ، واستصحب فخر الملك معه تحفًا ونفائس وجواهر وخيلا عربية ، فاحترمه أمير دمشق وأكرمه ، ثم سار إلى بغداد ، فدخلها في رمضان قاصدًا باب السلطان ، مستنفرًا على الفرنج ، فبالغ السلطان محمد في احترامه ، وكان يوم دخوله مشهودًا ، ورتب له الخليفة الرواتب العظيمة ، ثم قدم للسلطان التقادم ، وحادثه السلطان في أمر قتال الفرنج ، فطلب النجدة ، وضمن الإقامة بكفاية العساكر ، فأجابه السلطان . وقدم للخليفة أيضًا ، وحضر دار الخلافة وخلع عليه ، وجرد السلطان معه عسكرًا لم يغن شيئًا ، ثم وصل إلى دمشق في المحرم سنة اثنتين ، وتوجه بعسكر دمشق إلى جبلة ، فدخلها وأطاعه أهلها .

وأما أهل طرابلس فراسلوا المصريين يلتمسون واليًا وميرة في البحر ، فجاءهم شرف الدولة ومعه الميرة الكثيرة ، فلما دخلها قبض على جماعة من أقارب ابن عمار ، وأخذ نعمتهم وذخائرهم ، وحمل الجميع إلى مصر في البحر . وفي شعبان أطلق السلطان الضرائب والمكوس ببغداد ، وكثر الدعاء له ، وشرط على وزير الخليفة العدل وحسن السيرة ، وأن لا يستعمل أهل الذمة ، وعاد إلى أصبهان بعد إقامة نحو الستة أشهر ، فأحسن فيها ما شاء ، وكسا في يوم أربعمائة فقير ، ومضى يومًا إلى مشهد أبي حنيفة ، فانفرد وغلق عليه الأبواب يصلي ويتعبد ، وكف غلمانه عن ظلم الرعية ، وبالغ في ذلك . وفيها حاصر بغدوين ملك الفرنج صور ، وبنى تلقاءها حصنًا ، وضيق عليهم ، فبذل له متوليها سبعة آلاف دينار ، فترحل عنها .

ونازل صيدا ونصب عليها البرج الخشب ، وقاتلها في المراكب ، وجاء أصطول ديار مصر ليكشف عنها ، فقاتلهم أصطول الفرنج ، وظهر المسلمون ، وبلغ الفرنج مسير عسكر دمشق نجدة لأهل صيدا ، فتركوها ورحلوا . وأغار أمير دمشق طغتكين على طبرية ، فخرج ملكها جرفاس - لعنه الله - فالتقوا ، فقتل خلق من عسكره وأسر هو ، وفرح المسلمون .

موقع حَـدِيث