سنة أربع وخمسمائة
سنة أربع وخمسمائة نزل بغدوين وابن صنجيل على بيروت ، وجاءت الفرنج الجنوية في أربعين مركبًا ، وأحاطوا بها ، ثم أخذوها بالسيف ، ثم نازلوا صيدا في ثالث ربيع الآخر ، فأخذوها في نيف وأربعين يومًا ، وآمنوا أهلها ، فتحول خلق من أهلها إلى دمشق ، وأقام أكثر الناس رعية للفرنج ، وقرر عليهم في السنة قطيعة عشرين ألف دينار . وكان نائب المصريين بعسقلان شمس الخلافة ، فراسل بغدوين صاحب القدس وهادنه وهاداه ، وخرج عن طاعة صاحب مصر ، فتحيلوا على القبض عليه فعجزوا ، ثم إنه أخرج الذين عنده من عسكر مصر خوفًا منهم ، وأحضر جماعة من الأرمن واستخدمهم ، فمقته أهل عسقلان وقتلوه ، ونهبوا داره ، فسر بذلك أمير الجيوش الأفضل ، وبعث إليها أميرًا . وفيها نازل صاحب أنطاكية حصن الأثارب ، وهو على بريد من حلب ، فأخذوه عنوة ، وقتل ألفي رجل ، وأسر الباقين ، ثم نازل حصن زردنا ، وأخذه بالسيف ، وجفل أهل منبج ، وأهل بالس ، فقصدت الفرنج البلدين ، فلم يروا بها أنيسًا .
وعظم بلاء المسلمين ، وبلغت القلوب الحناجر ، وأيقنوا باستيلاء الفرنج على سائر الشام ، وطلبوا الهدنة ، فامتنعت الفرنج إلا على قطيعة يأخذونها ، فصالحهم الملك رضوان السلجوقي صاحب حلب على اثنين وثلاثين ألف دينار ، وغيرها من الخيل والثياب ، وصالحهم أمير صور على شيء ، وكذا صاحب شيزر ، وكذا صاحب حماة علي الكردي ، صالحهم هذا على ألفي دينار ، وكانت حماة صغيرة جدًا . وسار طائفة من الشام إلى بغداد يستنفرون الناس ، واجتمع عليهم خلق من الفقهاء والمطوعة ، واستغاثوا وكسروا منبر جامع السلطان ، فوعدهم السلطان بالجهاد ، ثم كثروا وفعلوا أبلغ من ذلك بكثير في جامع القصر ، وكثر الضجيج ، وبطلت الجمعة ، فأخذ السلطان في أهبة الجهاد . وفيها عزل وزير السلطان محمد نظام الملك أحمد بن نظام الملك ، ووزر الخطير محمد بن حسين الميبذي .
وفي رمضان دخل الخليفة ببنت السلطان ملكشاه ، وزينت بغداد وعملت القباب ، وكان وقتًا مشهودًا . وفيها هبت بمصر ريح سوداء مظلمة أخذت بالأنفاس ، حتى لا يبصر الرجل يده ، ونزل على الناس رمل ، وأيقنوا بالهلاك ، ثم تجلى قليلًا وعاد إلى الصفرة ، وكان ذلك من العصر إلى بعد المغرب . وفيها غدر بغدوين ونازل طبرية ، وبرز طغتكين إلى رأس الماء ، ثم وقعت هدنة فيها حيف على المسلمين وإذلال ، ولم ينجدهم لا جيش الشرق ولا جيش مصر ، واستنصرت الفرنج بالشام .