حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد ، الإمام زين الدين أبو حامد الغزالي ، الطوسي ، الفقيه الشافعي ، حجة الإسلام . قرأ قطعة من الفقه بطوس على أحمد الراذكاني ، ثم قدم نيسابور في طائفة من طلبة الفقه ، فجد واجتهد ، ولزم إمام الحرمين أبا المعالي حتى تخرج عن مدة قريبة ، وصار أنظر أهل زمانه ، وواحد أقرانه ، وأعاد للطلبة ، وأخذ في التصنيف والتعليق . وكان الإمام أبو المعالي مع علو درجته وفرط ذكائه ، لا يطيب له تصديه للتصانيف ، وإن كان في الظاهر متبجحا به .

ثم إن أبا حامد خرج إلى المعسكر ، فأقبل عليه نظام الملك ، وناظر الأقران بحضرته ، فظهر اسمه ، وشاع أمره ، فولاه النظام تدريس مدرسته ببغداد ، ورسم له بالمصير إليها ، فقدمها ، وأعجب الكل مناظرته ، وما لقي الرجل مثل نفسه ، ثم أقبل على علم الأصول ، وصنف فيها وفي المذهب والخلاف ، وعظمت حشمته ببغداد ، حتى كانت تغلب حشمة الأمراء والأكابر ، فانقلب الأمر من وجه آخر ، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدقيقة ، وممارسة التصانيف طريق التزهد والتأله فترك الحشمة ، وطرح الرتبة ، وتزود للمعاد ، وقصد بيت الله ، وحج ، ورجع على طريق الشام ، وزار القدس ، وأقام بدمشق مدة سنين ، وصنف بها إحياء علوم الدين وكتاب الأربعين ، و القسطاس ، و محك النظر ، وغير ذلك . وأخذ في مجاهدة النفس ، وتغيير الأخلاق ، وتهذيب الباطن ، وانقلب شيطان الرعونة ، وطلب الرياسة والتخلق بالأخلاق الذميمة ، إلى سكون النفس ، وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم ، وتزيا بزي الصالحين . ثم عاد إلى وطنه ، لازمًا بيته ، مشتغلًا بالتفكير ، ملازمًا للوقت ، فبقي على ذلك مدة ، وظهرت له التصانيف ، ولم يبد في أيامه مناقضة لما كان فيه ، ولا اعتراض لأحد على مآثره ، حتى انتهت نوبة الوزارة إلى فخر الملك ، وقد سمع وتحقق بمكان أبي حامد وكمال فضله ، فحضره وسمع كلامه ، فطلب منه أن لا تبقى أنفاسه وفوائده عقيمة ، لا استفادة منها ولا اقتباس من أنوارها ، وألح عليه كل الإلحاح ، وتشدد في الاقتراح إلى أن أجاب إلى الخروج ، وقدم نيسابور ، وكان الليث غائبًا عن عرينه ، والأمر خافيًا في مستور قضاء الله ومكنونه ، ورسم له بأن يدرس بها - بالمدرسة النظامية - فلم يجد بدًا من ذلك .

قال هذا كله وأكثر منه عبد الغافر بن إسماعيل في تاريخه ، ثم قال : ولقد زرته مرارًا ، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته في سالف الزمان عليه من الزعارة ، وإيحاش الناس ، والنظر إليهم بعين الازدراء ، والاستخفاف بهم كبرًا وخيلاء واغترارًا بما رزق من البسطة في النطق ، والخاطر ، والعبارة ، وطلب الجاه ، والعلو في المنزلة أنه صار على الضد ، وتصفى من تلك الكدورات ، وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف ، متنمس بما صار إليه ، فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون ، وأن الرجل أفاق بعد الجنون ، وحكى لنا في ليال كيفية أحواله ، من ابتداء ما ظهر له طريق التأله ، وغلبة الحال عليه ، بعد تبحره في العلوم ، واستطالته على الكل بكلامه ، والاستعداد الذي خصه الله به في تحصيل أنواع العلوم ، وتمكنه من البحث والنظر ، حتى تبرم بالاشتغال بالعلوم العرية عن المعاملة ، وتفكر في العاقبة ، وما ينفع في الآخرة ، فابتدأ بصحبة أبي علي الفارمذي ، فأخذ منه استفتاح الطريقة ، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات ، والإمعان في النوافل ، واستدامة الأذكار والاجتهاد والجد ، طلبًا للنجاة ، إلى أن جاز تلك العقاب ، وتكلف تلك المشاق ، وما حصل على ما كان يرومه . ثم حكى أنه راجع العلوم ، وخاض في الفنون ، وعاود الجد في العلوم الدقيقة ، والتقى بأربابها ، حتى تفتحت له أبوابها ، وبقي مدة في الوقائع ، وتكافؤ الأدلة ، وأطراف المسائل . ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف ، بحيث شغله عن كل شيء ، وحمله على الإعراض عما سواه ، حتى سهل ذلك عليه ، وهكذا إلى أن ارتاض كل الرياضة ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كنا نظن به ناموسًا وتخلقًا ، طبعًا وتحققًا ، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من الله تعالى .

ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته ، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور ، فقال معتذرًا : ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ، ومنفعة الطالبين ، وقد خف علي أن أبوح بالحق ، وأنطق به ، وأدعو إليه ، وكان صادقًا في ذلك ، فلما خف أمر الوزير ، وعلم أن وقوفه على ما كان فيه ظهور وحشة وخيال طلب جاه وحشمة ، ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته ، واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم ، وخانقاها للصوفية ، ووزع أوقاته على وظائف الحاضرين ، من ختم القرآن ، ومجالسته أصحاب القلوب ، والقعود للتدريس لطالبه ، إلى أن توفاه الله بعد مقاساة أنواع من القصد ، والمناوأة من الخصوم ، والسعي به إلى الملوك ، وكفاية الله إياه ، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النكبات ، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزلات . وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، ومجالسة أهله ، ومطالعة الصحيحين ، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام ، ولم يتفق له أن يروي ، ولم يعقب إلا البنات . وكان له من الأسباب إرثًا وكسبًا ما يقوم بكفايته ، وقد عرضت عليه أموال فما قبلها .

ومما كان يعترض به عليه ، وقوع خلل من جهة النحو يقع في أثناء كلامه ، وروجع فيه ، فأنصف من نفسه ، واعترف بأنه ما مارسه ، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه ، مع أنه كان يؤلف الخطب ، ويشرح الكتب بالعبارة التي تعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها . ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في كتاب كيمياء السعادة والعلوم ، وشرح بعض الصور والمسائل ، بحيث لا يوافق مراسم الشرع ، وظواهر ما عليه قواعد الإسلام ، وكان الأولى به ، والحق أحق ما يقال ، ترك ذلك التصنيف ، والإعراض عن الشرح له ، فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج ، فإذا سمعوا أشياء من ذلك تخيلوا منه ما هو المضر بعقائدهم ، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل على أن المنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه ، علم أن أكثر ما ذكره مما رمز إليه إشارات الشرع ، وإن لم يبح به ، ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطريقة مرموزة ، ومصرحًا بها ، متفرقة ، وليس لفظ منه إلا وكما يشعر أحد وجوهه بكلام موهوم ، فإنه يشعر سائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة ، فلا يجب إذًا حمله إلا على ما يوافق ، ولا ينبغي أن يتعلق به في الرد عليه متعلق ، إذا أمكنه أن يبين له وجهًا ، وكان الأولى به أن يترك الإفصاح بذلك كما تقدم . وقد سمعت أنه سمع من سنن أبي داود ، عن القاضي أبي الفتح الحاكمي الطوسي ، وسمع من أبي عبد الله محمد بن أحمد الخواري ، مع ابنيه الشيخين : عبد الجبار ، وعبد الحميد ، كتاب المولد لابن أبي عاصم ، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن الحارث ، عن أبي الشيخ ، عنه .

قلت : ما نقم عبد الغافر على أبي حامد من تلك الألفاظ التي في كيمياء السعادة فلأبي حامد أمثاله في بعض تواليفه ، حتى قال فيه ، أظنه تلميذه ابن العربي : بلغ شيخنا أبو حامد الفلاسفة ، وأراد أن يتقيأهم فما استطاع ، رأيت غير واحد من الأئمة يقولون ، إنه رد على الفلاسفة في مواضع ، ووافقهم عليها في بعض تواليفه ، ووقع في شكوك ، نسأل الله السلامة واليقين ، ولكنه متأله حسن القصد . وللإمام أبي عبد الله محمد بن علي المازري الصقلي كلام على الإحياء يدل على تبحره وتحقيقه ، يقول فيه : وبعد فقد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم بإحياء علوم الدين ، وذكرتم أن آراء الناس فيه قد اختلفت ، فطائفة انتصرت وتعصبت لإشهاره ، وطائفة منه حذرت وعنه نفرت ، وطائفة لعنته أظهرت ، وكتبه حرقت ، ولم تنفردوا أهل المغرب باستعلام ما عندي ، بل كاتبني أهل المشرق بمثل ذلك ، فوجب عندي إبانة الحق ، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه ، فإن نفس الله في العمر ، مددت في هذا الكتاب الأنفاس ، وأزلت عن القلوب الالتباس ، واعلموا أن هذا الرجل ، وإن لم أكن قرأت كتابه ، فقد رأيت تلامذته وأصحابه ، فكل منهم يحكي لي نوعًا من حاله وطريقته ، أستلوح منها من مذاهبه وسيرته ، ما قام لي مقام العيان ، فأنا أقتصر في هذا الإملاء على ذكر حال الرجل ، وحال كتابه ، وذكر جمل من مذاهب الموحدين ، والفلاسفة ، والمتصوفة وأصحاب الإشارات ، فإن كتابه متردد بين هذه الطرائق الثلاث ، لا تعدوها ، ثم أتبع ذلك بذكر حيل أهل مذهب على أهل مذهب آخر ، ثم أبين عن طرق الغرور ، وأكشف عما دفن من خيال الباطل ، ليحذر من الوقوع في حبال صائده . ثم أثنى المازري على أبي حامد في الفقه ، وقال : هو بالفقه أعرف منه بأصوله ، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين ، فإنه صنف فيه أيضًا ، وليس بالمستبحر فيها ، ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره فيها ، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول ، فكسبته قراءة الفلسفة جرأة على المعاني ، وتسهلًا للهجوم على الحقائق ، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها ، وليس لها حكم شرع يزعها ، ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها ، وعرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا ، وهي إحدى وخمسون رسالة ، ومصنفها فيلسوف قد خاض في علم الشرع والنقل ، فمزج ما بين العلمين ، وذكر الفلسفة ، وحسنها في قلوب أهل الشرع بآيات يتلوها عندها ، وأحاديث يذكرها .

ثم كان في هذا الزمان المتأخر رجل من الفلاسفة يعرف بابن سينا ، ملأ الدنيا تواليف في علوم الفلسفة ، وهو فيها إمام كبير ، وقد أداه قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة ، وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره ، وقد رأيت جملًا من دواوينه ، ووجدت هذا الغزالي يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة . إلى أن قال : وأما مذاهب الصوفية ، فلست أدري على من عول فيها ، لكني رأيت فيما علق عنه بعض أصحابه ، أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها ، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي ، وعندي أنه عليه عول في مذاهب الصوفية ، وقد أعلمت أن أبا حيان ألف ديوانًا عظيمًا في هذا الفن ، ولم ينقل إلينا شيء منه . ثم ذكر المازري توهنة أكثر ما في الإحياء من الأحاديث ، وقال : عادة المتورعين أن لا يقولوا : قال مالك ، قال الشافعي ، فيما لم يثبت عندهم ، وفي كتابه مذاهب وآراء في العمليات هي خارجة عن مذاهب الأئمة ، واستحسانات عليها طلاوة ، لا تستأهل أن يفتى بها ، وإذا تأملت الكتاب وجدت فيه من الأحاديث والفتوى ما قلته ، فيستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له ، مثل قص الأظفار أن تبدأ بالسبابة ، لأن لها الفضل على بقية الأصابع ، لأنها المسبحة ، ثم تقص ما يليها من الوسطى ، لأنها ناحية اليمين ، وتختم بإبهام اليمنى ، وذكر في ذلك أثرًا .

وقال : من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن البارئ قديم ، مات مسلمًا إجماعًا ، ومن تساهل في حكاية الإجماع في مثل هذا الذي الأقرب أن يكون فيه الإجماع يعكس ما قال ، فحقيق أن لا يوثق بما نقل . وقد رأيت له في الجزء الأول أنه ذكر أن في علومه هذه ما لا يسوغ أن تودع في كتاب ، فليت شعري ، أحق هو أو باطل ؟ فإن كان باطلًا فصدق ، وإن كان حقًا ، وهو مراده بلا شك ، فلم لا يودع في الكتب ، ألغموضه ودقته ؟ فإن كان هو فهمه ، فما المانع من أن يفهمه غيره ؟! . قال الطرطوشي محمد بن الوليد في رسالة له إلى ابن مظفر : فأما ما ذكرت من أمر الغزالي ، فرأيت الرجل وكلمته ، فرأيته جليلًا من أهل العلم ، قد نهضت به فضائله ، واجتمع فيه العقل والفهم ، وممارسة العلوم طول عمره ، وكان على ذلك معظم زمانه ، ثم بدا له عن طريق العالم ، ودخل في غمار العمال ، ثم تصوف ، فهجر العلوم وأهلها ، ودخل في علوم الخواطر ، وأرباب العقول ، ووساوس الشيطان ، ثم شابها بآراء الفلاسفة ، ورموز الحلاج ، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين ، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين ، فلما عمل الإحياء عمد يتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية ، وكان غير أنيس بها ، ولا خبير بمعرفتها ، فسقط على أم رأسه وشحن كتابه بالموضوعات .

وقال أبو عمرو بن الصلاح : فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على الغزالي في مصنفاته ، ولم يرتضها أهل مذهبه وغيرهم من الشذوذ في تصرفاته ، منها قوله في المنطق : هو مقدمة العلوم كلها ، ومن لا يحيط به ، فلا ثقة له بمعلومه أصلًا ، وهذا مردود ، فكل صحيح الذهن منطقي بالطبع ، وكيف غفل الشيخ أبو حامد حال مشايخه ومشايخهم من الأئمة ، وما رفعوا بالمنطق رأسًا . قال ابن الصلاح : وأما كتاب المضنون به على غير أهله ، فمعاذ الله أن يكون له ، شاهدت على نسخة به بخط القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن الشهرزوري أنه موضوع على الغزالي ، وأنه مخترع من كتاب مقاصد الفلاسفة ، وقد نقضه بكتاب التهافت . وقال أبو بكر الطرطوشي : شحن الغزالي كتابه الإحياء بالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلا أعلم كتابًا على بسيط الأرض أكثر كذبًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه ، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ، ومعاني رسائل إخوان الصفا ، وهم قوم يرون النبوة اكتسابًا ، فليس نبي في زعمهم أكثر من شخص فاضل ، تخلق بمحاسن الأخلاق ، وجانب سفسافها ، وساس نفسه ، حتى ملك قيادها ، فلا تغلبه شهواته ، ولا يقهره سوء أخلاقه ، ثم ساس الخلق بتلك الأخلاق ، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق .

وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمته : ثم حج ، ودخل الشام ، وأقام بها نحوًا من عشر سنين ، وصنف ، وأخذ نفسه بالمجاهدة ، وكان مقامه بدمشق في المنارة الغربية من الجامع . وقد سمع صحيح البخاري من أبي سهل محمد بن عبيد الله الحفصي ، وقدم دمشق في سنة تسع وثمانين . قلت : وجالس بها الفقيه نصرا المقدسي .

وقال القاضي شمس الدين ابن خلكان : إنه لزم إمام الحرمين ، فلما توفي خرج إلى نظام الملك ، فبالغ في إكرامه ، وولاه نظامية بغداد ، فسار إليها في سنة أربع وثمانين ، وأقبل عليه أهل العراق ، وارتفع شأنه ، ثم ترك ذلك في سنة ثمان وثمانين ، وتزهد ، وحج ، ورجع إلى دمشق ، فأشغل بها مدة بالزاوية الغربية ، ثم انتقل إلى بيت المقدس ، وجد في العبادة ، ثم قصد مصر ، وأقام مدة بالإسكندرية ، ويقال : إنه عزم على المضي إلى الأمير يوسف بن تاشفين سلطان مراكش ، فبلغه نعيه ، ثم إنه عاد إلى وطنه بطوس . وصنف التصانيف : البسيط ، والوسيط ، والوجيز ، والخلاصة في الفقه ، وإحياء علوم الدين ، وفي الأصول : المستصفى ، والمنخول ، واللباب ، وبداية الهداية ، وكيمياء السعادة ، والمأخذ ، والتحصين ، والمعتقد ، وإلجام العوام ، والرد على الباطنية ، والمقاصد في اعتقاد الأوائل ، وجواهر القرآن ، والغاية القصوى ، وفضائح الإباحية ، وغور الدور ، وله : المنتخل في علم الجدل ، وكتاب تهافت الفلاسفة ، وكتاب محك النظر ، ومعيار العلم ، والمضنون به على غير أهله ، وشرح الأسماء الحسنى ، ومشكاة الأنوار ، والمنقذ من الضلال ، وحقيقة القولين ، وغير ذلك من الكتب ، وقد تصدر للإملاء . ولد سنة خمسين وأربعمائة .

وقال عبد الغافر : توفي يوم الإثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس ، ودفن بمقبرة الطابران ، وهي قصبة بلاد طوس . وقولهم : الغزالي ، والعطاري ، والخبازي ، نسبة إلى الصنائع بلغة العجم ، وإنما ينبغي أن يقال : الغزال ، والعطار ، ونحوه . وللغزالي أخ واعظ مدرس له القبول التام في التذكير ، واسمه : أبو الفتوح أحمد ، درس بالنظامية ببغداد ، نيابة عن أخيه لما ترك التدريس ، قليلًا ، وبقي إلى حدود سنة عشرين وخمسمائة .

وقال ابن النجار في تاريخه : الغزالي إمام الفقهاء على الإطلاق ، ورباني الأمة بالاتفاق ، ومجتهد زمانه ، وعين أوانه ، برع في المذهب ، والأصول ، والخلاف ، والجدل ، والمنطق ، وقرأ الحكمة ، والفلسفة ، وفهم كلامهم ، وتصدى للرد عليهم ، وكان شديد الذكاء ، قوي الإدراك ذا فطنة ثاقبة ، وغوص على المعاني ، حتى قيل : إنه ألف كتابه المنخول ، فلما رآه أبو المعالي قال : دفنتني وأنا حي ، فهلا صبرت حتى أموت ، لأن كتابك غطى على كتابي . ثم روى ابن النجار بسنده ، أن والد الغزالي كان رجلًا من أرباب المهن يغزل الصوف ، ويبيعه في دكانه بطوس ، فلما احتضر أوصى بولديه محمد وأحمد إلى صديق له صوفي صالح ، فعلمهما الخط ، وفني ما خلف لهما أبوهما ، وتعذر عليهما القوت ، فقال : أرى لكما أن تلجآ إلى المدرسة كأنكما طالبان للفقه ، عسى يحصل لكما مقدار قوتكما ، ففعلا ذلك . وقال أبو العباس أحمد الخطيبي : كنت يومًا في حلقة الغزالي ، رحمه الله ، فقال : مات أبي ، وخلف لي ولأخي مقدارًا يسيرًا ، ففني ، بحيث تعذر القوت علينا ، وصرنا إلى مدرسة نطلب الفقه ، ليس المراد سوى تحصيل القوت ، وكان تعلمنا لذلك لا لله ، فأبى أن يكون إلا لله .

وقال أسعد الميهني : سمعت الغزالي يقول : هاجرت إلى أبي نصر الإسماعيلي بجرجان ، فأقمت إلى أن أخذت عنه التعليقة . قال ابن النجار : قرأت على أبي القاسم الأسدي العابد بالثغر ، عن أبي محمد عبد الله بن علي الأشيري ، قال : سمعت أبا محمد عبد المؤمن بن علي القيسي يقول : سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت السوسي يقول : أبو حامد الغزالي قرع الباب وفتح لنا . قال ابن النجار : بلغني أن أبا المعالي الجويني كان يصف تلامذته يقول : الغزالي بحر مغرق ، وإلكيا أسد مخرق ، والخوافي نار تحرق .

وقال أبو محمد العثماني ، وغيره : سمعنا محمد بن يحيى بن عبد المنعم العبدري المؤدب يقول : رأيت بالإسكندرية سنة خمسمائة كأن الشمس طلعت من مغربها ، فعبره لي عابر ببدعة تحدث فيهم ، فبعد أيام وصل الخبر بإحراق كتب الغزالي بالمرية . وقال أبو عامر العبدري الحافظ : سمعت أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي يحلف بالله أنه أبصر في نومه كأنه ينظر في كتب الغزالي ، فإذا هي كلها تصاوير . قلت : للغزالي غلط كثير ، وتناقض في تواليفه العقلية ، ودخول في الفلسفة ، وشكوك ، ومن تأمل كتبه العقلية رأى العجائب ، وكان مزجى البضاعة من الآثار ، على سعة علومه ، وجلالة قدره ، وعظمته ، وقد روى عنه أبو بكر ابن العربي الإمام صحيح البخاري ، بروايته عن الحفصي ، فيما حكى ابن الحداد الفاسي ، ولم يكن هذا بثقة ، فالله أعلم .

موقع حَـدِيث