حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ست عشرة وخمسمائة

سنة ست عشرة وخمسمائة فيها كلم الخليفة الوزير أبا طالب السميرمي في أمر دبيس ، وأن في قربه من بغداد خطرًا ، فنؤثر مقام آقسنقر البرسقي عندنا لنصحه ، فوافق السلطان محمود على ذلك وفعله . ثم خرج في ربيع الأول من بغداد ، وكانت إقامته بها سنة وسبعة أشهر ونصفا . وخلع على البرسقي ، وكلم في شأن دبيس ، فتوجه إلى صرصر .

وتصاف العسكران ، وانجلت الوقعة عن هزيمة البرسقي ، وكان في خمسة آلاف فارس ، ودبيس في أربعة آلاف بأسلحة ناقصة ، إلا أن رجالته كانت كثيرة . ورأى البرسقي في الميسرة خللًا ، فأمر بحط خيمته لتنصب عندهم ليشجعهم بذلك ، وكان ذلك ضلة من الرأي ؛ لأنهم لما رأوها حطت أشفقوا فانهزموا ، وكان الحر شديدًا ، فهلكت البراذين والهماليج عطشًا . وترقب الناس من دبيس الشر ، فلم يفعل ، وأحسن السيرة ، وراسل الخليفة وتلطف ، وتقررت قواعد الصلح .

ثم جرت أمور ، وولي علي بن طراد الزينبي نيابة الوزارة ، وعزل ابن صدقة ، ولم يؤذ . ثم قدم قاضي القضاة أبو سعد الهروي من العسكر بتحف من سنجر ، وأن السلطان محمودا قد استوزر عثمان بن نظام الملك ، وعول عثمان على أبي سعد بأن يخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أحمد ابن نظام الملك ، وأنه لا يستقيم له وزارة بدار الخلافة . فتخير ابن صدقة حديثة الفرات ليكون عند سليمان بن مهارش ، فأخرج وخفر ، فوقع عليه يونس الحرامي ، وجرت له معه قصص .

واستدعي أبو نصر أحمد ابن النظام من داره بنقيب النقباء علي بن طراد ، وابن طلحة ، ودخل إلى الخليفة وحده وخرج مسرورًا ، وخلع عليه للوزارة . وفي رمضان بعث دبيس طائفة ، فنهبوا أكثر من ألف رأس ، فأرسل إليه الخليفة يقبح ما فعل ، فبث ما في نفسه ، وما يعامل به من الأمور الممضة : منها أنهم ضمنوا له إهلاك عدوه ابن صدقة الوزير ، فأخرجوه من الضيق إلى السعة . ومنها أنه طلب إخراج البرسقي من بغداد ، فلم يفعلوا .

ومنها أنهم وعدوه في حق أخيه منصور أن يطلقوه ، وكان قد عصى على السلطان بركياروق وخطب لمحمد . فلما ولي محمد صار له بالخطبة جاه عند محمد ، وقرر مع أخيه أن لا يتعرض لصدقة ، وأقطعه الخليفة الأنبار ، ودمما ، والفلوجة ، وأعطاه واسط ، وأذن له في أخذ البصرة . فصار يدل على السلطان الإدلال الذي لا يحتمله ، وإذا وقع إليه رد التوقيع ، أو طال مقام الرسول على مواعيد لا ينجزها ، وأوحش أصحاب السلطان ، وعادى البرسقي .

وكان أيضًا قد أظهر سب الصحابة بالحلة ، فأخذ العميد أبو جعفر ثقة الملك فتاوى فيما يجب على من يسب ، وكتب المحاضر فيما يتم في بلاد ابن مزيد من ترك الصلوات ، وأنهم لا يعتقدون الجمعة ولا الجماعات ، ويتظاهرون بالمحرمات . فكتب الفقهاء بأنه يتعين قتالهم . ثم قصد العميد باب السلطان ، وقال : إن حال ابن مزيد قد عظمت ، وقد قلت فكرته في أصحابك ، واستبد بالأموال ، وأراه الفتوى ، وقال : هذا سرخاب قد لجأ إليه ، وهو على غاية من بدعته التي هي مذهب الباطنية .

وكانا قد اتفقا على قلب الدولة ، وإظهار مذهب الباطنية . وكان السلطان قد تغير على سرخاب ، فهرب منه إلى الحلة ، فتلقاه بالإكرام . فراسله السلطان ، وطالبه بتسليم سرخاب ، فقال : لا أسلم من لجأ إلي .

وإن السلطان قصده ، فاستشار أولاده ، فقال ابنه دبيس : تسلم إلي مائة ألف دينار ، وتأذن لي أن أنتقي ثلاثمائة فرس من الإصطبلات ، وتجرد معي ثلاثمائة فارس ؛ فإني أقصد باب السلطان ، وأعتذر عنك ، وأخدمه بالمال والخيل وأقرر معه أن لا يتعرض لأرضك . فقال غيره : الصواب أن لا تصانع من تغيرت فيك نيته ، فقال : هذا الرأي . وجمع عشرين ألف فارس ، وثلاثين ألف راجل ، وتمت وقعة هائلة ، ثم قتل صدقة ، وقد مر ذلك .

ونشأ دبيس ، ففعل القبائح ، ولقي الناس منه فنون الأذى ، وطغى وبغى فنفذ إليه المسترشد يهدده ، فتواعد وأوعد ، وأرسل ، وبعث طلائعه . فانزعج أهل بغداد ، فلما كان ثالث شوال صلب البرسقي تسعة ، قيل : إنهم مجهزون من دبيس لقتل البرسقي ، وعبر البرسقي في ذي القعدة ، وضرب الخليفة سرادقه عند رقة ابن دحروج ، ونصب هناك الجسر ، وبعث القاضي أبا بكر الشهرزوري إلى دبيس ينذره ، وفي الكلام : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا . فاحتد وغضب وجمع ، فكانت فرسانه تزيد على ثمانية آلاف ، ورجالته عشرة آلاف ، ونزل المسترشد بالله راكبًا من باب الغربة ، ثم عبر في الزبزب ، وعليه القباء ، والعمامة ، وبيده القضيب ، وعلى كتفه البردة النبوية ، وعلى رأسه طرحة .

ومعه وزيره أحمد ابن نظام الملك ، وقاضي القضاة الزينبي ، والنقيبان ، والهاشميون ، والقضاء ، فنزل بالمخيم ، وأقام به أيامًا . وفيها قتل الوزير أبو طالب السميرمي ببغداد ، وولي وزارة السلطان محمود بعده شمس الملك عثمان ابن نظام الملك ، فأبطل ما جدده السميرمي من المكوس . وفي رمضان قتل السلطان محمود الأمير جيوش بك ، وكان تركيًا من مماليك السلطان محمد ، وكان مهيبًا شجاعًا ، قتله محمود خوفًا من غائلته .

وفيها مات إيلغازي صاحب ماردين ، وحلب ، وميافارقين . وفيها أقطع السلطان محمود قسيم الدولة البرسقي واسطًا وأعمالها ، مضافًا إلى ولاية الموصل ، وشحنكية العراق ، فسير إلى واسط عماد الدين زنكي بن آقسنقر . وفيها وصل إلى بغداد أبو الحسن الغزنوي ، فوعظ ، وأقبلوا عليه .

ثم ورد بعده أبو الفتوح الإسفراييني ، ونزل برباط أبي سعد ، وتكلم بمذهب الأشعري ، ثم سلم إليه رباط الأرجوانية .

موقع حَـدِيث