سنة تسع عشرة وخمسمائة
سنة تسع عشرة وخمسمائة في صفر برز الخليفة إلى صحراء الشماسية بجيوشه ، ثم رحل فنزل الدسكرة ، وجاء دبيس وطغرلبك فدبروا أن يكبسوا بغداد ليلًا ، ويحفظ دبيس المخائض ، وينهب طغرلبك بغداد . فمرض طغرلبك تلك الليلة ، وجاء المطر ، وزاد الماء ، وضج الناس بالابتهال إلى الله ، وأرجف عند الخليفة بأن دبيسًا دخل بغداد ، فرحل مجدًا إلى النهروان . فلم يشعر دبيس إلا برايات الخليفة ، فلما رآها دهش ، وقبل الأرض ، وقال : أنا العبد المطرود ، أما آن يعفى عن العبد المذنب ؟ فلم يجبه أحد ، فأعاد القول والتضرع ، فرق له الخليفة ، وهم بالعفو عنه ، فصرفه عن ذلك الوزير أبو علي بن صدقة ، وبعث الخليفة نظرا الخادم إلى بغداد بالبشارة ، ونودي في البلد بأن يخرج العسكر لطلب دبيس ، والإسراع مع الوزير ابن صدقة .
ودخل الخليفة ، وسار دبيس وطغرلبك إلى سنجر مستجيرين به ، هذا من أخيه محمود ، وهذا من الخليفة ، فأجارهما ، ولبسا عليه ، فقالا : قد طردنا الخليفة ، وقال : هذه البلاد لي ، فقبض سنجر على دبيس وسجنه خدمة للخليفة . وفي رجب راح سعد الدولة برنقش ، فاجتمع بالسلطان خاليًا وأكثر الشكوى من الخليفة ، وحقق عنده أنه يطلب الملك ، وأنه خرج من بيته نوبتين وكسر من قصده ، وإن لم يفكر في حسم ذلك اتسع الخرق ، وسترى حقيقة ذلك إذا دخلت بغداد . والذي يحمله على ذلك وزيره ، وقد كاتب أمراء الأطراف ، وجمع الأكراد والعرب ، فحصل في نفس محمود ما دعاه إلى المجيء إلى بغداد .
وفيها قتلت الباطنية بالموسل آقسنقر البرسقي في مقصورة الجامع ، فيما ذكر ابن الجوزي ، والصحيح سنة عشرين . وفيها قدم البرسقي فنازل كفرطاب ، وأخذها من الفرنج ، ثم عمل مصافًا مع الفرنج ، وكانوا خلقًا ، فكسروه ، وقتلوا نحو الألف من المسلمين ، وأسروا خلقًا . وفيها جمع بغدوين الصغير صاحب القدس وحشد ، وأغار على حوران ، فخرج لحربه طغتكين في خلق كثير وتركمان قدموا للجهاد ، وخلق من أحداث دمشق ، ومن المرج ، والغوطة بالعدد التامة .
فالتقوا بمرج الصفر ، فحملت الملاعين على المسلمين ، فهزموهم إلى عقبة سحوراء ، وقتلوا أكثر الرجالة ، وما نجا إلا من له فرس جواد . وجاء طغتكين وقد أسرت أبطاله ، وما شك الناس أن الفرنج يصبحون البلد ، فحازوا الغنائم والأسرى ورجعوا ، فلا قوة إلا بالله . وفيها عسكر اللعين ابن رذمير الذي استولى على شرق الأندلس بجيش في أربعة آلاف فارس بفاوة ، فسار من سرقسطة ، ثم على بلنسية ، ثم مرسية .
ومر على جزيرة شقر ، فنازلهم أيامًا . وكان على الأندلس تميم بن يوسف بن تاشفين ، ومقامه بغرناطة ، فجمع الجيوش ، والتف على ابن رذمير سواد عظيم من نصارى البلاد ، فوطئ بلاد الإسلام يغير وينهب . وقصده المسلمون ، فالتقوا ، فأصيب خلق من المسلمين وعاث ابن رذمير في بلاد الإسلام أكثر من سنة ، ورجع بغنائم لا تحصى .