حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

شاهنشاه الأفضل

شاهنشاه الأفضل ، أمير الجيوش ، أبو القاسم ابن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني . كان بدر هو الكل ، وكان المستنصر مقهورًا معه ، وتوفي سنة ثمان وثمانين ، فلما مات قام الأفضل مقام أبيه ، وقضيته مع نزار ابن المستنصر وغلامه أفتكين متولي الإسكندرية مشهورة في أخذهما وإحضارهما إلى القاهرة ، ثم لم يظهر لهما خبر بعد ذلك ، وذلك في سنة ثمان وثمانين أيضًا ، فأما أفتكين فقتل ظاهرًا ، وأما نزار فيقال : إن المستعلي أخاه بنى عليه حائطًا ، ونزار المذكور هو الذي تنسب إليه الإسماعيلية أرباب قلعة الألموت . وكان الأفضل داهية ، شهمًا ، مهيبًا كأبيه ، فحل الرأي ، جيد السياسة ، أقام في الخلافة الآمر ولد المستعلي بعد موت المستعلي ، ودبر دولته ، وحجر عليه ، ومنعه من شهواته ، فإنه كان كثير اللعب ، فحمله ذلك على قتله ، فأوثب عليه جماعة ، وكان يسكن بمصر ، فلما ركب من داره وثبوا عليه فقتلوه في سلخ رمضان من هذه السنة ، وخلف من الأموال ما لم يسمع بمثله .

قال ابن الأثير : كانت ولايته ثمانيا وعشرين سنة ، وكان الإسماعيلية يكرهونه لأسباب ، منها : تضييقه على إمامهم ، وتركه ما يجب عندهم سلوكه معهم ، وتركه معارضة أهل السنة في اعتقادهم ، والنهي عن معارضتهم ، وإذنه للناس في إظهار معتقداتهم ، والمناظرة عليها . قال : وكان حسن السيرة ، عادلًا ، يحكى أنه لما قتل وظهر الظلم بعده اجتمع جماعة ، واستغاثوا إلى الخليفة ، وكان من جملة قولهم : إنهم لعنوا الأفضل ، فسألهم عن سبب لعنته ، فقالوا : إنه عدل وأحسن السيرة ، ففارقنا بلادنا وأوطاننا ، وقصدنا بلاده لعدله ، فقد أصابنا هذا الظلم ، فهو كان سبب ظلمنا ، فأمر الخليفة بالإحسان إليهم وإلى الناس ، وقيل : إن الآمر بأحكام الله وضع عليه من قتله ، وكان قد فسد ما بينهما ، وكان أبو عبد الله البطائحي هو الغالب على أمر الأفضل ، فأسر إليه الآمر أن يعمل على تلافه ، ووعده بمنصبه ، فلما قتل ولي البطائحي وزارة الآمر ، ولقب بالمأمون ، وبقي إلى سنة تسع عشرة وصلب . وقال سبط الجوزي في ترجمة الأفضل ، ووضعها في سنة ست عشرة ، وكأنه وهم ، قال : إن الأفضل ولد بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، قال أبو يعلى ابن القلانسي : وكان الأفضل حسن الاعتقاد ، سنيا ، حميد السيرة مؤثرًا للعدل ، كريم الأخلاق ، صادق الحديث ، لم يأت الزمان بمثله ، ولا حمد التدبير عند فقده ، واستولى الآمر على خزائنه ، وجميع أسبابه .

وكان الأفضل جوادًا ممدحًا ، مدحه جماعة ، منهم قاضي مصر القاضي الرشيد أحمد بن القاسم الصقلي صاحب الديوان الشعر . قال القاضي شمس الدين : قال صاحب الدول المنقطعة : خلف الأفضل ستمائة ألف ألف دينار ، ومائتين وخمسين إردب دراهم ، وخمسة وسبعين ألف ثوب ديباج ، وثلاثين راحلة أحقاق ذهب عراقي ، ودواة ذهب مجوهرة قيمتها اثنا عشر ألف دينار ، ومائة مسمار من ذهب ، وزن المسمار مائة مثقال ، في كل مجلس منها عشرة ، على كل مسمار منديل مشدود مذهب ، فيه بدلة بلون من الألوان ، أيما أحب منها لبسه ، وخمسمائة صندوق كسوة لخاصه ، وخلف من الرقيق والخيل والبغال والطيب والتجمل ما لم يعلم قدره إلا الله ، ومن الجواميس والبقر والغنم ما يستحيى من ذكر عدده ، بلغ ضمان ألبانها في العام ثلاثين ألف دينار . قلت : كذا قال هذا الناقل ستمائة ألف ألف دينار ، والعهدة عليه ، وفي الجملة فإن الأفضل هذا تصرف في الممالك ، وكنز الأموال ، وجمع ما لم يجمعه ملك ، وكان ملكه سبعًا وعشرين سنة .

وفي أيامه تغلبت الفرنج - لعنهم الله - على القدس ، وأنطاكية ، وعكا ، وطرابلس ، وصور ، وصيدا ، وبيروت ، وقيسارية ، وعدة حصون سوى ذلك . وكذا كل ملك نهمته في جمع الأموال يبخل عن استخدام الجيوش ، ويفرط ، فلله الأمر كله . قال ابن الأثير في كامله : وثب عليه ثلاثة ، فضربوه بالسكاكين ، فقتلوه ، وحمل وبه رمق إلى داره ، ونزل الآمر بأحكام الله إلى داره ، وتوجع له ، فلما مات نقل من أمواله ما لا يعلمه إلا الله ، وبقي الخليفة الآمر في داره أربعين يومًا أو نحوها ، والكتاب بين يديه ، والدواب تحمل وتنقل ليلًا ونهارًا ، ووجد له من الأعلاق النفيسة ، والأشياء المعدومة ما لا يوجد لغيره ، وحبس أولاده .

موقع حَـدِيث