آقسُنْقُر سيف الدين قسيم الدولة أبو سعيد البُرْسُقيُّ
آقسُنْقُر ، سيف الدين قسيم الدولة أبو سعيد البُرْسُقيُّ ، مولى الأمير بُرْسُق غلام السُّلطان طغرلبك . ترقت به الحال إلى أن ولاه السُّلطان محمود بن محمد إمرة المَوْصل والرَّحْبة ، ثم ولاَّه شحنكية بغداد إلى أن عُزِلَ عنها في سنة ثمان عشرة ، وسار إلى الموصل ، فكاتبه الحلبيون إلى حلب لما حصرهم الفرنج ، فسار إليهم وترحَّل الفرنج عنها فملكها في ذي الحجة من السنة . وكان بلك بن بهرام بن أرتق قد قتل بمنبج فتملك ابن عمِّه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق .
وكان بغدوين ملك الفرنج أسيراً في يد بلك فاشترى نفسه من تمرتاش وهادنَهُ واتفق موت والده شمس الدولة إيلغازي صاحب ماردين ، فتوجه ابنه إليها ، واشتغل بملكها ، فغدر بغدوين واتفق مع دُبيس بن صدقة وإبراهيم بن رضوان بن تتش فنازلوا حلب وطال الحصار حتى أكلوا الجيف ووقع فيهم الوباء بحلب وهم مع ذلك ثابتو الجأش في القتال ، فأغاثهم الله بقسيم الدولة؛ وذلك أن أهل حلب اتفقوا وأخرجوا في اللَّيل قاضيهم أبا غانم والشريف زُهْرة وابن الحلِّي إلى تمرتاش صاحب حلب وهو بماردين ، فلما أصبح الصَّباح صاح الفرنج: أين قاضيكم أين شريفكم ، فما شكَّ النَّاس أنهم قد أُسروا . فوصل منهم كتاب بأنهم فاتوا الفرنج فقدموا على حسام الدين تمرتاش ، فأخذ يماطلهم ويسوفهم إلى أن قال مرة: خلُّوهم إذا أخذوا حلب عُدتُ وأخذتُها ، فقلنا: لا تفعل ولا تسلم المسلمين إلى عدوهم . فقال: كيف أقدر على لقائهم؟ فقال القاضي أبو غانم: وأيش هم حتى لا تقدر عليهم .
ثم لما خاف أن ننفصل عنه إلى غيره رسم علينا من يحفظنا ، فأعملنا الحيلة في الهرب إلى الموصل إلى آقسنقر ، فتحدثنا مع من يُهَرِّبُنَا وكان للمنزل الذي نحن فيه باب يصرُّ عظيماً إذا فُتِحَ فطرحنا فيه زيتاً وواعدنا الغِلْمان أن يأتونا بالدَّواب ، وكان الثَّلج كثيراً . قال أبو غانم: فنام الموكلون بنا ، وجاء الغلمان إلا غلامي ياقوت ، فأخبروا أن قيد الدابة تعسر عليه ، فضاقت صدورنا ، فقلت لأصحابي: امضوا أنتم ولا تنتظروني . ثم جاءني ياقوت بالدَّابة سحَرًا ، فركبت ولا أعرف الطريق ، ثم قصدت الجهة ، فلما طلع الضَّوء إذا أنا وأصحابي في مكان واحد ، وكانوا قد ضلُّوا عن الطَّريق ، فصلينا الصُّبح وسُقنا ، فجئنا فإذا البُرْسقي مريض ، وقد تماثل ولكنه ضعيف ، فطلبنا منه أن يغيث المسلمين وذكرنا له ما حلَّ بهم من الحصار والضِّيق والقلّة ، فقال: كيف لي بالوصول إليهم وأنا هكذا؟ فقلنا: يجعل المولى في نيَّته وعزمه إن خلَّصه الله أن ينصرهم .
فقال: إي ، والله ، ثم رفع رأسه إلى السَّماء وقال: اللهم إني أشهدك إن عوفيت لأنصرنَّهم . قال: ففارقته الحُمَّى بعد ثلاث ، فنادى في عسكره: الغزاة ، وبرَّز خيمته ، ثم توجَّه بعساكره ، فلما أشرف على حلب رحل الفرنج عنها ، وتأخروا إلى جبل جوشن ، فقاربها وخرج أهلها إلى لقائه فقصد نحو الفرنج بعسكره وبأهل البلد ، فانهزم الفرنج ، فسار وراءهم حتى أبعدوا ، ورجع ودخل البلد ، ورتَّبه وجلب إليه الغلال ، وكان ذلك في آذار ، فجعل الناس يبلُّون الحنطة والشَّعير بالماء ويزرعونها ، وجاء مغل صالح . وترك ولده عز الدين مسعوداً بها ، وعاد إلى الموصل ، فقتلته الإسماعيلية بالجامع يوم الجُمُعة ، ثار عليه عشرة فقتل بيده منهم ثلاثة وقُتِل ، ولم يفلت منهم سوى رجل ، وذلك في تاسع ذي القعدة من سنة عشرين .
وقيل: إنهم كانوا بزي الصُّوفية ، وكان قد تصدى لإبادة الإسماعيلية والباطنية ، وقَتَلَ منهم جماعة كثيرة . قال القاضي بهاء الدين بن شدَّاد: كان البرسقي دينا ، عادلاً ، حسن الأخلاق ، يؤثر عنه أنه قال لقاضيه: أريد أن تساوي بين الرَّفيع والوضيع في مجلس الحُكم ، فقال: كيف لي بذلك؟ فقال: الطريق في هذا أن ترتاد لي خصماً وتدعوني إلى مجلس الحكم ، فإذا حضرت إليك تلتزم معي ما تلتزمه مع خصمي . ثم قال لزوجته الخاتون: وكِّلي وكيلاً يطالبني بصداقك ، فوكلت رجلاً ، فمضى إلى مجلس الحكم ، وقال: لي خصومة مع قسيم الدولة وأطلب حضوره إلى مجلسك .
فسيَّر بطلبه ، فحضر إلى الحكم ، فلم يقم له القاضي ، وساوى بينه وبين الوكيل ، فادَّعى عليه ، فاعترف ، فأمره القاضي بدفع المال ، فقام ودفع إليه من خزانته . ثم إنه أمر القاضي أن يتخذ مسماراً على باب داره نقشه أجب داعي الله وأن يختم عليه بشمعه ، فمن كان له خصم حضر وختم بشمعه على ذلك المسمار ومضى إلى خصمه بها كائناً مَنْ كان ، فلا يجسر أن يتخلَّف ، فرحمه الله تعالى . وولي بعده ابنه عز الدين مسعود فلم يسن .