سنة سبع وعشرين وخمسمائة
سنة سبع وعشرين وخمسمائة خطب لمسعود بن محمد بالسلطنة ببغداد في صفر ، ومن بعده لداود ، وخلع عليهما وعلى الأمير آقسنقر الأحمديلي مقدم جيوش السلطان محمود ، وهو المقيم داود بعده في الملك ، واستقر مسعود بهمذان . وكانت وقعة انهزم فيها طغرل ، ثم قتل آقسنقر ، قتلته الباطنية . وفيها قصد أمراء التركمان الجزريون بلاد الشام ، فأغاروا على بلاد طرابلس ، وغنموا وسبوا ، فخرج ملك طرابلس بالفرنج ، فتقهقر التركمان ، ثم كروا عليه فهزموه ، وقتلوا في الفرنج فأكثروا وأطيبوا ، فالتجأ إلى حصن بعرين ، فحاصرته التركمان أيامًا ، وخرج في الليل هاربًا ، فجمعت الفرنج وسار لنجدته ملوكهم ، ورد فواقع التركمان ونال منهم .
وفيها وقع الخلف بين الفرنج بالشام ، وتحاربوا وقتل منهم ، ولم يجر لهم بذلك سابقة . وفيها واقع الأمير سوار نائب زنكي على حلب الفرنج ، فقتل من الفرنج نحو الألف ، ولله الحمد . وفيها وثب على شمس الملوك صاحب دمشق مملوك نجدة ، فضربه بسيفٍ فلم يغن شيئًا ، وقتلوه بعد أن أقر على جماعة وادعى أنه إنما فعل ذلك ليريح المسلمين من ظلمه وعسفه ، فقتل معه جماعة .
وقتل شمس الملوك أخاه سونج الذي أسره زنكي ، فحزن الناس عليه . وفيها جمع دبيس جمعًا بواسط ، وانضم إليه جماعة من واسط ، فنفذ الخليفة لحربه البازدار وإقبال الخادم ، فهزموه وأسروا بختيار . وعزم المسترشد على المسير إلى الموصل ، فعبرت الكوسات والأعلام إلى الجانب الغربي في شعبان ، ونودي ببغداد : من تخلف من الجند حل دمه ، ثم سار أمير المؤمنين في اثني عشر ألف فارس ، ونفذ إلى بهروز يقول له : تنزل عن القلعة ، وتسلم الأموال ، وتدخل تحت الطاعة ، فقال : أنا رجل كبير عاجز ، ولكن أنفذ الإقامات وتقدمة ، ففعل وعفي عنه ، ووصل الخليفة الموصل في العشرين من رمضان ، فحاصرها ثمانين يومًا ، وكان القتال كل يوم ، ووصل إليه أبو الهيج الكردي من الجبل في عساكر كثيرة .
ثم إن زنكي بعث إلى الخليفة : إني أعطيك الأموال ، وترحل عنا ، فلم يجبه ، ثم رحل ، فقيل : كان سبب رحيله أنه بلغه أن السلطان مسعودًا قد غدر وقتل الأحمديلي ، وخلع على دبيس . قال ابن الجوزي : وتوفي شيخنا ابن الزاغوني ، فأخذ حلقته بجامع القصر أبو علي ابن الراذاني ، ولم أعطها لصغري ، فحضرت عند الوزير أنوشروان ، وأوردت فصلًا في الوعظ ، فأذن لي في الجلوس بجامع المنصور ، فحضر مجلسي أول يومٍ الكبار من أصحابنا عبد الواحد بن شنيف ، وأبو علي بن القاضي ، وابن قشامي ، وقوي اشتغالي بفنون العلم ، وأخذت عن أبي بكر الدينوري الفقه ، وعن ابن الجواليقي اللغة ، وتتبعت مشايخ الحديث . وفيها أخذ شمس الملوك بانياس من الفرنج بالسيف ، وقلعتها بالأمان ، فلما نزلوا أسروا كلهم ، وقدم شمس الملوك دمشق مؤيدًا منصورًا ، والأسرى بين يديه ورؤوس القتلى ، ورأى الناس ما أقر أعينهم ، فلله الحمد ، وكان يومًا مشهودًا .
وفيها مات صاحب مكة أبو فليتة ، وولي بعده أبو القاسم . وفيها نازل ابن رذمير مدينة أفراغه ، فحاصرها وبها ابن مرديش . سنة ثمان وعشرين وخمسمائة فيها خلع على إقبال الخادم خلعة الملك ، ولقب سيف الدولة ملك العرب .
ووقع الصلح مع زنكي بن آقسنقر ، وجاء منه الحمل . وصرف عن الوزارة أنوشروان ، وأعيد أبو القاسم بن طراد ، وقبض على نظر الخادم وسجن وأخذت أمواله ، وخلع على ابن طراد خلعة الوزارة ، وأعطي فرسًا برقبة ، وثلاثة عشر حمل كوسات ، وأعلامًا ومهدًا . وقدم رسول السلطان سنجر ، فخلع عليه ، وأرسل إلى سنجر مع رسوله ، ومع ابن الأنباري خلع عظيمة الخطر بمائة وعشرين ألف دينار .
وبعث الخليفة إلى بهروز الخادم ، وهو بالقلعة ، يطلب منه حملًا فأبى ، فبعث جيشًا لقتاله ، فحاصروه . وقدم ألبقش السلحدار التركي طالبًا للخدمة مع الخليفة . ثم إن الخليفة خلع على الأمراء ، وعرض الجيش يوم العيد ، ونادى : لا يختلط بالجيش أحد ، ومن ركب بغلًا أو حمارًا أبيح دمه ، وخرج الوزير وصاحب المخزن والقاضي ونقيب النقباء ، وأركان الدولة في زي لم ير مثله من الخيل والزينة والعسكر الملبس ، فكان الجيش خمسة عشر ألف فارس .
وعاد طغرل إلى همذان وانضمت إليه عساكر كثيرة ، وتوطد له الملك ، وانحل أمر أخيه مسعود ، وسببه أن الخليفة بعث بخلع إلى خوارزم شاه ، فأشار دبيس على طغرل بأخذها ، وإظهار أن الخليفة بعثها له ، ففعل وبعث الخليفة يحث مسعودًا على المجيء ليرفع منه ، فدخل أصبهان في زي التركمان ، وخاطر إلى أن وصل بغداد في ثلاثين فارسًا ، فبعث إليه الخليفة تحفًا كثيرة . وعثر على بعض الأمراء أنه يكاتب طغرل ، فقبض عليه الخليفة ، فهرب بقية الأمراء إلى مسعود ، وقالوا : نحن عبيدك ، فإذا خذلتنا قتلنا الخليفة ، فطلبهم الخليفة ، فقال مسعود : قد التجؤوا إلي ، فقال الخليفة : إنما أفعل هذا لأجلك ، وأنصبك نوبة بعد نوبة ، ووقع الاختلاف بينهما ، وشاش العسكر ، ومدوا أيديهم إلى أذى المسلمين ، وتعذر المشي بين المحال ، فبعث إليه الخليفة يقول له : تنصرف إلى بعض الجهات ، وتأخذ العسكر الذين صاروا إليك ، فرحل في آخر السنة والخواطر متوحشة ، فأقام بدار الغربة ، وجاءت الأخبار بتوجه طغرل إلى بغداد ، فلما كان يوم سلخ السنة نفذ إلى مسعود الخلع والتاج ، وأشياء بنحو ثلاثين ألف دينار نعم . وفيها حاصر ملك الفرنج ابن رذمير مدينة إفراغة من شرق الأندلس ، وكان إذ ذاك على قرطبة تاشفين ابن السلطان ، فجهز الزبير اللمتوني بألفي فارس ، وتجهز أمير مرسية وبلنسية - يحيى بن غانية - في خمسمائة وتجهز عبد الله بن عياض صاحب لاردة في مائتين ، فاجتمعوا وحملوا الميرة إلى إفراغة ، وكان ابن عياض فارس زمانه ، وكان ابن رذمير في اثني عشر ألف فارس ، فأدركه العجب ، وقال لأصحابه : اخرجوا خذوا هذه الميرة ، ونفذ قطعة من جيشه ، فهزمهم ابن عياض ، فساق ابن رذمير بنفسه ، والتحم الحرب ، واستحر القتل في الفرنج ، وخرج أهل إفراغة الرجال والنساء ، فنهبوا خيم الروم ، فانهزم الطاغية ، ولم يفلت من جيشه إلا القليل ، ولحق بسرقسطة ، فبقي يسأل عن كبار أصحابه ، فيقال له : قتل فلان ، قتل فلان ، فمات غمًا بعد عشرين يومًا ، وكان بلية على المسلمين ، فأهلكه الله .
وفيها خرج عبد المؤمن في الموحدين من بلاد تينمل فافتتح تادلة ونواحيها ، وسار في تلك الجبال يفتتح معمورها ، وأقبل تاشفين من الأندلس باستدعاء ابنه ، فانتدب لحرب الموحدين . وفيها سار صاحب القدس بالفرنج ، فقصد حلب ، فخرج إليه عسكرها ، فالتقوا ، فانهزم المسلمون ، وقتل منهم مائة فارس ، ثم التقوا ونصر الله . وفيها وثب إيليا الطغتكيني في الصيد على شمس الملوك بأرض صيدنايا فضربه بالسيف ، فغطس عنها ، ورمى نفسه إلى الأرض ، وضربه ثانية ، فوقعت في رقبة الفرس أتلفته ، وتلاحق الأجناد فهرب إيليا ، ثم ظفروا به ، فقتله صبرًا ، وقتل جماعة بمجرد قول إيليا فيهم ، وبنى على أخيه حائطًا ، فمات جوعًا ، وبالغ في الظلم والعسف ، وبنى دار المسرة بالقلعة ، فجاءت بديعة الحسن .
وفيها جاءت الأخبار من مصر بخلف ولدي الحافظ لدين الله عبد المجيد وهما : حيدرة ، والحسن ، وافترق الجند فرقتين ، إحداهما مائلة إلى الإسماعيلية ، والأخرى إلى مذهب السنة ، فاستظهرت السنة ، وقتلوا خلقًا من أولئك ، واستحر القتل بالسودان ، واستقام أمر ولي العهد حسن ، وتتبع من كان ينصر الإسماعيلية من المقدمين والدعاة ، فأبادهم قتلًا وتشريدًا . قال أبو يعلى حمزة : فورد كتاب الحافظ لدين الله على شمس الملوك بهذا الحال . وفيها فسخت الفرنج الهدنة وأقبلت بخيلائها ، فجمع شمس الملوك جيشه ، واستدعى تركمان النواحي ، وبرز في عسكره نحو حوران ، فالتقوا ، وكانت الفرنج في جمعٍ كثيف ، فأقامت المناوشة بين الفريقين أيامًا ، ثم غافلهم شمس الملوك ، ونهض بشطر الجيش ، وقصد عكا والناصرة ، فأغار وغنم ، فانزعجت الفرنج ، وردوا ذليلين ، وطلبوا تجديد الهدنة .