حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ثلاثين وخمسمائة

سنة ثلاثين وخمسمائة جاء برنقش بأمورٍ صعبة ، فقالوا للراشد بالله : جاء مطالبًا بخطٍ كتبه المسترشد بالله لمسعود ليتخلص من أسره بمبلغ ، وهو سبعمائة ألف دينار ، ويطالب لأولاد صاحب المخزن بثلاثمائة ألف ، وبقسط على أهل بغداد خمسمائة ألف دينار ، فاستشار الراشد الكبار ، فأشاروا عليه بالتجنيد ، وأرسل الخليفة إلى برنقش : أما الأموال المضمونة فإنما كانت لإعادة الخليفة إلى داره ، وذلك لم يكن ، وأنا مطالب بالثأر ، وأما مال البيعة ، فلعمري ، لكن ينبغي أن تعاد إلي أملاكي وإقطاعي ، حتى يتصور ذلك ، وأما الرعية فلا سبيل لكم عليهم ، وما عندي إلا السيف ، ثم أحضر كجبة وخلع عليه ، وأعطاه ثلاثة آلاف دينار ، وقال له : دون بهذه عسكرا ، وجمع العساكر ، وبعث إلى برنقش يقول : كنا قد تركنا البلد مع الشحنة والعميد ، فلما جئت بهذه الأشياء فعلنا هذا . وانزعج أهل بغداد ، وباتوا تحت السلاح ، ونقل الناس إلى دار الخلافة ودار خاتون متاعهم ، وقيل للخليفة : إنهم قد عزموا على كبس بغداد وقت الصلاة ، فركب العسكر ، وحفظ الناس البلد ، وقطع الجسر ، وجرى في أطراف البلد قتال قوي . وفي صفر قدم زنكي ، والبازدار ، وإقبال ، عليهم ثياب العزاء ، وحسنوا للراشد الخروج فأجابهم ، واستوزر أبا الرضا بن صدقة ، واتفقوا على حرب مسعود ، وجاء السلطان داود بن محمود فنزل بالمزرفة ، ثم دخل دار المملكة ، وأظهر العدل ، وجاء إليه أرباب الدولة ومعهم تقدمة من الراشد ، فقام ثلاث مرات ، يقبل الأرض ، وجاء صدقة ولد دبيس ابن خمس عشرة سنة وقبل الأرض بإزاء التاج وقال : أنا العبد ابن العبد جئت طائعًا ، وقطعت خطبة مسعود ، وخطب لداود .

وقبض على إقبال الخادم ونهب ماله ، فتألم العسكر من الخليفة لذلك ، ونفذ زنكي يقول : هذا جاء معي ، ويعتب ويقول : لا بد من الإفراج عنه ، ووافقه على ذلك البازدار ، وغضب كجبة ومضى إلى زنكي ، فرتب مكانه غيره ، واستشعر العسكر كلهم وخافوا ، وجاء أصحاب البازدار وزنكي فخربوا عقد السور ، فشاش البلد ، وأشرف على النهب ، وجاء زنكي فضرب بإزاء التاج ، وسأل في إقبال سؤالًا تحته إلزام ، فأطلق له . وأما السلطان مسعود فإنه أفرج عن الوزير ابن طراد ، وقاضي القضاة والنقيب وسديد الدولة ابن الأنباري ، فأما نقيب الطالبيين أبو الحسن بن المعمر فتوفي حين أخرج ، وأما القاضي الزينبي فدخل بغداد سرًا ، وأقام الباقون مع مسعود . وقبض الراشد على أستاذ داره أبي عبد الله بن جهير ، فخاف الناس من الراشد وهابوه .

ثم نفذ زنكي إلى الراشد يقول : أريد المال الذي أخذ من إقبال ، وهو دخل الحلة ، وذلك مال السلطان ، وتردد القول في ذلك ، ثم نفذ الراشد إلى الوزير ابن صدقة وصاحب الديوان يقول : ما الذي أقعدكما ؟ وكانا قد تأخرا أيامًا عن الخدمة خوفًا من الراشد ، فقال ابن صدقة : كلما أشير به يفعل ضده ، وقد كان هذا الخادم إقبال بإزاء جميع العسكر ، وأشرت بأن لا يمسك ، فما سمع مني ، وأنا لا أوثر أن تتغير الدولة وينسب إلي ، فإن هذا ابن الهاروني الملعون قصده إساءة السمعة وإهلاك المسلمين ، فقبض الخليفة على ابن الهاروني في ربيع الأول ، فجاءت رسالة زنكي يشكو ما لقي من ابن الهاروني وتأثيراته في المكوس والمواصير ، ويسأل تسليمه إلى المملوك ليقتله ، فقال : ندبر ذلك ، ثم أمر الوالي بقتله فقتله ، وصلب ومثل به العوام ، فسرقه أهله بالليل ، وعفوا أثره ، وظهر له أموال ، ووصل إلى الخليفة من ماله مائتا ألف ، وأقطعت أملاك الوكلاء ، وسببه أن زنكي طلب من الخليفة مالًا يجهز به العسكر لينحدروا إلى واسط ، فقال : الأموال معكم ، وليس معي شيء ، فاقطعوا البلاد . ثم استقر أن يدفع إلى زنكي ثلاثون ألفًا مصانعةً عن الأملاك ، ثم بات الحرس تحت التاج خوفًا من زنكي ، ثم أشار زنكي على ابن صدقة أن يكون وزيرًا لداود ، فخلع عليه لذلك ، ثم استوثق زنكي من اليمين من الخليفة وعاهده ، وقبل يده ، وطلب الخليفة أبا الرضا بن صدقة فجاء ، ففوض إليه الأمور كلها . وأمر السلطان داود والأمراء بالمسير لحرب مسعود ، فساروا ، فبلغهم أنه رحل يطلب العراق ، فردهم الراشد وحلفهم ، وقال : أريد أن أخرج معكم ، فلما انسلخ شعبان خرج الخليفة ورحلوا ، وخاف العامة ، وشرعوا في إصلاح السور ، ولبسوا السلاح ، فكان الأمراء ينقلون اللبن على الخيل ، وهم نقضوه .

وجاءت كتبٌ إلى سائر الأمراء من مسعود ، فأحضروها جميعها إلى الخليفة ، وأنكر شحنة بغداد المكاتبة وأخفاها ، ثم كتب جوابها إلى مسعود ، فأخذه زنكي فغرقه . وفي وسط رمضان جاء عسكر مسعود فنازلوا بغداد ، ووقع القتال ، وخامر جماعة أمراء إلى الخليفة ، فخلع عليهم وقبلهم ، ثم بعد أيام كان وصول رسول مسعود يطلب الصلح ، فقرئت الرسالة على الأمراء ، فأبوا إلا القتال . وصلى الناس العيد داخل السور ، فوصل يومئذٍ أصحاب مسعود فدخلوا الرصافة ، وكسروا أبواب الجامع ونهبوا ، وقلعوا شبابيك الترب وعاثوا ، وجاء مسعود في رابع شوال في خمسة آلاف راكب على غفلة ، وخرج الناس للقتال ، ودام الحصار أيامًا ، وجاء ركابي لزنكي ، فقتله العيارون فقال زنكي : أريد أن أكبس الشارع والحريم ، وآخذ ما قيمته خمسمائة ألف دينار من الحرير والقماش والذهب والفضة .

ونفذ مسعود عسكرًا إلى واسط فأخذها ، والنعمانية فنهبها ، فتبعهم عسكر الخليفة ونودي : لا يبقى ببغداد أحد من العسكر ، وخرج الراشد فنزل على صرصر ، واستشعر بعض العسكر من بعض ، فخشي زنكي من البازدار والبقش ، فعاد إلى ورائه ، فرجع أكثر العسكر منهزمين ، ودخل الراشد بغداد ، وقيل : إن مسعودًا كاتب زنكي سرًا ، وحلف له أنه يقره على الموصل والشام ، وكاتب الأمراء أيضًا فقال : من قبض منكم على زنكي أو قتله أعطيته بلاده ، فعرف زنكي ، فأشار على الراشد أن يرحل صحبته . وفي رابع عشر ذي القعدة ركب الخليفة ليلًا وسار ، وزنكي قائم ينتظره ، فدخل دار برنقش ، ولم ينم الناس ، وأصبحوا على خوفٍ شديد ، وخرج أبو الكرم الوالي يطلب الخليفة فأسر وحمل إلى مسعود ، فأطلقه وأكرمه ، وسلم إليه بغداد ، ورحل الراشد يومئذٍ ولم يصحبه شيء من آلة السفر ، لأنه لما بات في دار برنقش أصبحوا ، ودخل خواصه يصلحون له آلة السفر ، فرحل على غفلة . ودخل مسعود بغداد ، ونهب دواب الجند ، وجاء صافي الخادم فقال : لم يفعل الخليفة صوابًا بذهابه ، والسلطان له على نية صالحة ، وسكن الناس .

وأظهروا العدل ، واجتمع القضاة والكبار عند السلطان مسعود ، وقدحوا في الراشد ، وبالغ في ذلك الوزير علي بن طراد ، وقيل : بل أخرج السلطان خط الراشد : إني متى جندت أو خرجت انعزلت ، فشهد العدول أن هذا خط الخليفة ، والقول الأول الأظهر . ثم أحكم ابن طراد النوبة ، واجتمع بكلٍ من القضاة والفقهاء ، وخوفهم وهددهم إن لم يخلعوه ، وكتب محضرًا فيه : إن أبا جعفر ابن المسترشد بدا منه سوء أفعال وسفك دماء ، وفعل ما لا يجوز أن يكون معه إمامًا ، وشهد بذلك الهيتي ، وابن البيضاوي ، ونقيب الطالبيين ، وابن الرزاز ، وابن شافع ، وروح بن الحديثي ، وآخر ، وقالوا : إن ابن البيضاوي شهد مكرهًا ، وحكم ابن الكرخي قاضي البلد بخلعه في سادس عشر ذي القعدة ، وأحضروا أبا عبد الله محمد ابن المستظهر بالله ، وهو عم المخلوع . قال سديد الدولة ابن الأنباري : أرسل السلطان مسعود إلى عمه السلطان سنجر : من نولي ؟ فكتب إليه : لا تولي إلا من يضمنه الوزير ، وصاحب المخزن ، وابن الأنباري ، فاجتمع مسعود بنا ، فقال الوزير : نولي الزاهد الدين محمد ابن المستظهر ، فقال : وتضمنه ؟ قال : نعم ، وكان صهرًا للوزير على بنته ، فإنها دخلت يومًا في خلافة المستظهر ، فطلب محمد ابن المستظهر هذا من أبيه تزويجها ، فزوجه بها ، وبقيت عنده ، ثم توفيت .

قلت : فبايعوه ، ولقب المقتفي لأمر الله ، ولقب بذلك لسبب ، قال ابن الجوزي : قرأت بخط أبي الفرج بن الحسين الحداد ، قال : حدثني من أثق به أن المقتفي رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له : سيصل هذا الأمر إليك ، فاقتف بي ، فلقب المقتفي لأمر الله ، ثم بويع اليوم الثاني البيعة العامة في محفلٍ عظيم ، وبعث مسعود بعد أن أظهر العدل ، ومهد بغداد ، فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دواب ، وأثاث ، وذهب ، وستور ، وسرادق ، ومساند ، فلم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس ، وثمانية أبغال برسم الماء ، فيقال : إنهم بايعوا المقتفي على أن لا يكون عنده خيل ولا آلة سفر ، وأخذوا من الدار جواري وغلمانًا ، ومضت خاتون تستعطف السلطان ، فاجتازت بالسوق وبين يديها القراء والأتراك ، وكان عندها حظايا الراشد وأولاده ، فأطلق لهم القرى والعقار ، ثم إن السلطان ركب سفينة ، ودخل إلى المقتفي ، فبايعه يوم عرفة ، وفي ثاني الأضحى وصلت الأخبار بأن الراشد دخل الموصل ، وبلغه أنه خلع من الخلافة . وفي جمادى الأولى ولي أتابكية جيش دمشق الأمير أمين الدولة كمشتكين الأتابكي الطغتكيني ، واقف الأمينية ، متولي بصرى وصرخد ، وأنزل في دار الأتابك بدمشق ، وخلع عليه ، ثم بعد يومين قتل الأمير يوسف بن فيروز الحاجب في الميدان ، وكان من أكبر الأمراء ، تملك مدينة تدمر مدةً ، وكان فيه ظلم وشر ، شد عليه الأمير بزواش فقتله ، ثم حمل إلى المسجد الذي بناه فيروز بالعقيبة ، فدفن في تربته ، وجرت أمور ، ثم صرف أمين الدولة ، وولي الأتابكية الأمير بزواش المذكور ، ولقب بجمال الدين ، وتوجه أمين الدولة مغاضبًا إلى ناحية صرخد . وفيها ، في أيار ، جاء بدمشق سيلٌ عظيم لم يسمع بمثله ، وطلعت على البلد سحابة سوداء ، بحيث صار الجو كالليل ، ثم طلع بعدها سحابة حمراء ، صار الناظر يظنها كالنار الموقدة .

وفي شعبانها ، اجتمعت عساكر حلب مع الأمير سوار نائب حلب ، وكبسوا اللاذقية بغتة ، فقتلوا وأسروا وغنموا ، قال ابن الأثير : كانت الأسرى سبعة آلاف نفس بالصغار والكبار ، ومائة ألف رأس من الدواب والمواشي ، وخربوا اللاذقية ، وخرجوا إلى شيزر سالمين ، وفرح المسلمون بذلك فرحًا عظيمًا ، ولم يقدر الفرنج ، لعنهم الله ، على أخذ الثأر عجزًا ووهنًا ، فلله الحمد .

موقع حَـدِيث