منصور الراشد بالله
منصور الراشد بالله ، أمير المؤمنين أبو جعفر ابن المسترشد بالله الفضل ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله عبد الله ، الهاشمي ، العباسي . ولد سنة اثنتين وخمسمائة ، ويقال : إنه ولد مسدودًا ، فأحضروا الأطباء ، فأشاروا بأن يفتح له مخرجٌ بآلةٍ من ذهب ، ففعل ذلك به فنفع ، وأمه أم ولد ، خطب له أبوه بولاية العهد في سنة ثلاث عشرة . قال ابن واصل القاضي : حكي عمن كان يدخل إلى دار الخلافة ويطلع على أسرارهم ، أن الخليفة المسترشد أعطى ولده الراشد ، وعمره أقل من تسع سنين ، عدة جواري ، وأمرهن أن يلاعبنه ، وكانت فيهن جارية حبشية ، فحملت من الراشد ، فلما ظهر الحمل وبلغ ذلك المسترشد أنكره ، فسألها ، فقالت : والله ما تقدم إلي سواه ، وإنه احتلم ، فسأل باقي الجواري فقلن كذلك ، فأمر أن تحمل الجارية قطنًا ، ثم وطئها الراشد ، ثم أخرجت القطن وعليه المني ، ففرح المسترشد ، وهذا من أعجب الأشياء ، ثم وضعت الجارية ولدًا سماه أمير الجيش ، وقد قيل : إن صبيان تهامة يحتلمون لتسعٍ ، وكذلك نساؤهم ، وكان للراشد نيف وعشرون ولدًا .
بويع بالخلافة في ذي القعدة سنة تسعٍ وعشرين ، وكان أبيض ، مليحًا ، تام الخلق ، شديد الأيد ، شجاعًا ، قيل : إنه كان في بستان دار الخلافة أيل عظيم الشكل ، اعترض في البستان ، وأحجم الخدم عنه ، فهجم هو عليه ، وأمسك بقرنيه ورماه إلى الأرض وطلب منشارًا ، وقطع قرنيه . وكان حسن السيرة ، جيد الطوية ، يؤثر العدل ، ويكره الشر ، وكان فصيحًا ، أديبًا ، شاعرًا ، سمحًا ، جوادًا ، لم تطل أيامه حتى خرج من بغداد إلى الموصل ، ودخل ديار بكر ، ومضى إلى أذربيجان ، ومازندران ، ثم عاد إلى أصبهان ، وأقام على باب أصبهان ومعه السلطان داود بن محمود بن محمد بن ملكشاه محاصرا لأصبهان إلى أن قتلته الملاحدة هناك . وكان بعد خروجه من بغداد وصول السلطان مسعود بن محمد إليها ، فاجتمع بالكبار ، وخلع الراشد بالله ، وبايع عمه الإمام المقتفي ، ودام الأمر سنةً للراشد قبل ذلك .
قال ابن ناصر الحافظ : دخل السلطان مسعود إلى بغداد وفي صحبته أصحاب المسترشد بالله الوزير علي بن طراد ، وصاحب المخزن ابن طلحة ، وكاتب الإنشاء ، فخرج الراشد بالله طالبًا إلى الموصل في صحبة أميرها زنكي . وفي اليوم الثالث أحضروا ببغداد القضاة والعلماء عند الوزير علي بن طراد ، وكتبوا محضرًا فيه شهادة طائفةٍ بما جرى من الراشد بالله من الظلم ، وأخذ الأموال ، وسفك الدماء ، وشرب الخمر ، واستفتوا الفقهاء في من فعل ذلك ، هل تصح إمامته ؟ وهل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ، ويستبدل به خيرًا منه ؟ فأفتوا بجواز خلعه ، وفسخ عقده ، ووقع الاختيار على تولية الأمير أبي عبد الله محمد ابن المستظهر بالله ، فحضر السلطان مسعود والأمراء إلى دار الخلافة ، وأحضر الأمير أبو عبد الله ، وحضر الوزير ، وأبو الفتوح بن طلحة ، وابن الأنباري الكاتب ، وبايعوه ، ولقب بالمقتفي لأمر الله ، وبايع الخلق وعمره أربعون سنة ، وقد وخطه الشيب . وخرج الراشد بالله من الموصل إلى بلاد أذربيجان ، وكان معه جماعة ، فقسطوا على مراغة مالًا ، وعاثوا هناك ، ومضوا إلى همذان فدخلوها ، وقتلوا جماعة ، وصلبوا آخرين ، وحلقوا لحى جماعة من العلماء وأفسدوا ، ثم مضوا إلى نواحي أصبهان فحاصروا البلد ونهبوا القرى ، ونزل الراشد بظاهر أصبهان ، ومرض مرضًا شديدًا ، فبلغنا أن جماعةً من العجم كانوا فراشين معه دخلوا عليه خركاهه في سابع وعشرين رمضان ، فقتلوه بالسكاكين ، ثم قتلوا كلهم ، وبلغنا أنهم كانوا سقوه سمًا ، ولو تركوه لما عاش ، وبني له هناك تربةً ، سامحه الله .
قال ابن السمعاني : قتل فتكًا في سادس وعشرين رمضان صائمًا ، ودفن في جامع مدينة جي ، وعقد له العزاء ببغداد وأنا بها ، عاش ثلاثين سنة . وقال العماد الكاتب : كان له الحسن اليوسفي ، والكرم الحاتمي ، بل الهاشمي استدعى والدي صفي الدين ليوليه الوزارة ، فتعلل عليه ، خلف ببغداد نيفًا وعشرين ولدًا ذكرًا . وقال ابن الجوزي : في سبب موته ثلاثة أقوال : أحدها : أنه سقي السم ثلاث مرات ، والثاني : أنه قتله الفراشون ، والثالث : أنه قتلته الباطنية ، وجاء الخبر ، فقعدوا له للعزاء يومًا واحدًا .
قال : وقد ذكر الصولي أن الناس يقولون : إن كل سادسٍ يقوم للناس يخلع ، فتأملت هذا ، فرأيته عجبًا ، اعتقد الأمر لنبينا صلى الله عليه وسلم ، ثم قام بعده أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، والحسن فخلع ، ثم معاوية ، ويزيد ، ومعاوية بن يزيد ، ومروان ، وعبد الملك ، وابن الزبير ، فخلع وقتل ، ثم الوليد ، وسليمان ، وعمر ، ويزيد ، وهشام ، والوليد ، فخلع وقتل ، ثم لم ينتظم لبني أمية أمر ، فولي السفاح ، والمنصور ، والمهدي ، والهادي ، والرشيد ، والأمين ، فخلع وقتل ، ثم المأمون ، والمعتصم ، والواثق ، والمتوكل ، والمنتصر ، والمستعين ، فخلع وقتل ، ثم المعتز ، والمهتدي ، والمعتمد ، والمعتضد ، والمكتفي ، والمقتدر ، فخلع ، ثم رد ثم قتل ، ثم القاهر ، والراضي ، والمتقي ، والمستكفي ، والمطيع ، والطائع فخلع ، ثم القادر ، والقائم ، والمقتدي ، والمستظهر ، والمسترشد ، والراشد ، فخلع . قلت : وهذا الفصل منخرمٌ بأشياء ، أحدها قوله : وعبد الملك وابن الزبير ، وليس الأمر كذلك بل ابن الزبير خامس ، وبعده عبد الملك ، أو كلاهما خامس ، أو أحدهما خليفة والآخر خارج على نزاعٍ بين العلماء في أيهما خارج على الآخر ، والثاني تركه لعدد يزيد الناقص وأخيه إبراهيم الذي خلع ، ومروان ، فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعًا ، فلا يستقيم ما ادعاه ، والمستعين خلعوه أيضًا كما قال ، وخلعوا الذي بعده ، وهو المعتز بالله ، وقتلوا المهتدي بالله ، رضي الله عنه ، وخلعوا القاهر وسملوه ، فليس الخلع مقتصرًا على كل سادسٍ لو صح العدد .