حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة تسع وأربعين وخمسمائة

سنة تسع وأربعين وخمسمائة فيها نفذ الخليفة عسكرًا ، فما أخذوا تكريت بعد حصار ومجانيق وتعب ، وقُتل من الفريقين عدة ، ثم رأى الخليفة أن أخذها يطول ، فرجع بعد أن نازلها مدة أيام ، ثم بعد شهر عرض جيشه ، فكانوا ستة آلاف ، فجهزهم لحصارها مع الوزير ابن هُبيرة ، وأنفق في الجيش نحو ثلاث مائة ألف دينار ، سوى الإقامة ، فإنها كانت تزيد على ألف كرّ ، فوصل الخبر بأن مسعود بلال جاء في عسكر عظيم إلى شهرابان ، ونهبوا الناس ، وطلب ابن هبيرة للخروج إليهم . وكان مسعود بلال وألبقش قد اجتمعا بالسلطان محمد ، وحثّاه على قصد العراق ، فلم يتهيأ له ، فاستأذناه في التقدّم أمامه ، فأذن لهما ، فجمعا خلقًا من التركمان ، ونزلا في طريق خراسان ، فخرج الخليفة إليهما ، فتنازلوا ثمانية عشر يومًا ، وتحصّن التركمان بالخركاوات والمواشي ، ثم كانت الوقعة في سلخ رجب ، فانهزمت ميسرة الخليفة وبعض القلب ، كسرهم مسعود الخادم وتُرشك ، وثبت الخليفة ، وضربوا على خزانته ، وقتلوا خازنه يحيى بن يوسف الجزَري ، فجاء منكورس ، وأمير آخر ، فقبّلا الأرض ، وقالا : يا مولانا ، ثبت علينا ساعة حتى نحمل ، فقال : لا والله إلا معكما ، ورفع الطرحة ، وجذب السيف ، ولبس الحديد هو وولّى العهد وكبرا ، وصاح الخليفة : ياآلَ مُضر ، كذب الشيطان وفرّ ، وردّ الله الذين كفروا بغيظهم الآية ، فحمل العسكر بجملته ، ووقع القتال ، حتى سُمع وقع السيوف كوقع المطارق على السنادين ، وانهزم القوم وسُبي التركمان ، وأخذت مواشيهم وخيلهم ، فقيل : كانت الغنم أربعمائة ألف رأس ، فبيعت كل ثمانين بدانق ، ثم نودي بردّ من سُبي من أولادهم ، وأخذ ألبقش أرسلان شاه بن طُغرل ، وهرب به إلى بلده ، وانهزم تُرشك ، ومسعود الخادم إلى القلعة ، ثم أغارا بعد أيام على واسط ، ونهبوا ما يختص بالوزير ابن هبيرة فندبه الخليفة إلى القتال ، فخرج بالعسكر ، فانهزم العدو ، فأدركهم ، ونهب منهم ، وعاد منصورًا ، فخلع عليه الخليفة ، ولقّبه : سلطان العراق ، ملك الجيوش ، وعرض الجيش في أبهة كاملة . ولما كان يوم الفطر ، جاء مطر ، ورعدٌ ، وبرق ، وزُلزلت بغداد من شدة الرعد ، ووقعت صواعق ، منها صاعقة في التاج المسترشدي .

وجاءت الأخبار بمجيء محمد شاه ، وبإنفاذه إلى عسكر الموصل يستنجد بهم ، وإلى مسعود بلال صاحب تكريت يستنجد به ، فأخرج الخليفة سُرادقه ، واستعرض الجيش ، فزادوا على اثني عشر ألف فارس ، فجاء الخبر بموت ألبقش ، فضعُف محمد شاه وبطَل ، فتسحّب جماعة من أمرائه ، ولجؤوا إلى الخليفة ، وحصل الأمن . ثم جرّد الخليفة ألفي فارس إلى جهة همذان . وفيها حدث بنواحي واسط ظهور دم من الأرض ، لا يُعلم له بسبب .

وجاءت الأخبار أن السلطان سنجر تحت الأسر وتحت حكمية الغُزّ ، وله اسم السلطنة ، وراتبه في قدر راتب سائس من سيّاسه ، وأنه يبكي على نفسه . ودخلت الغُزّ مرو وغيرها ، فقتلوا خلقًا ، ونهبوا ، وبدّعوا . وفيها قُتل بمصر خليفتها الظافر بالله العُبيدي وهو شاب ، وأقاموا الفائز صبيًا صغيرًا ، ووهى أمر المصريين ، فكتب المقتفي لأمر الله عهدًا لنور الدين محمود بن زنكي ، وولاه مصر ، وأمره بالمسير إليها ، وكان مشغولًا بحرب الفرنج ، وهو لا يفتر من الجهاد ، وما له إلا أيامًا قد تملّك دمشق في صفر ، وأخذها من صاحبها مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طُغتكين .

وكانت الفرنج قد ملكوا عسقلان ، وطمعوا في دمشق ، حتى أنهم استعرضوا من بها من الرقيق ، فمن أراد المقام تركوه ، ومن أراد العود إلى وطنه أخذوه قهرًا من مالكه ، وكان لهم على أهلها كل سنة قطيعة ، فتجيء رسلهم ويأخذون من الناس ، فراسل نور الدين مالكها مجير الدين واستماله ، وواصله بالهدايا ، وأظهر له المودة حتى ركن إليه ، وكان يرسل إليه أن فلانًا قد بعث إلي وكاتبني في تسلّيم دمشق فاحذره ، فكان مجير الدين يقبض على ذلك الرجل ، أو يقطع خبره ، إلى أن قبض على نائبه عطاء بن حفّاظ وقتله ، وكان نور الدين لا يتمكن مع وجود عطاء من أخذ دمشق ، ثم كاتب نور الدين من بدمشق من الأحداث ، فاستمالهم ، ووعدهم ، ومنّاهم ، فوعدوه بأن يسلموا إليه البلد ، فلما وصل نور الدين إلى دمشق بعث مجير الدين يستنجد بالفرنج ، فتسلّم نور الدين البلد من قبل أن يقدموا ، وذلك أن نور الدين حاصرها ، فسلّم إليه أهل البلد من ناحية الباب شرقي ، وحصر مجير الدين في القلعة ، وبذل له إن سلّم القلعة بلد حمص ، فنزل ، فلما سار إلى حمص أعطاه عوضها بالِس ، فغضب ولم يرضها ، وسار إلى بغداد ، فبقي بها مدة ، وبنى بها دارًا فاخرة بقرب النظامية . وفيها ثارت الإسماعيلية ، واجتمعوا سبعة آلاف مقاتل من بين فارس وراجل ، وقصدوا خراسان ليملكوها عندما ينزل بها من الغُزّ ، فتجمّع لهم أمراء من جند خراسان ، ووقع المصافّ ، فهزم الله الإسماعيلية ، وقتل رؤوسهم وأعيانهم ، ولم ينج منهم إلا الأقل ، وخلَت قلاعهم من الحُماة ، ولولا أن عسكر خراسان كانوا مشغولين بالغز لملكوا حصونهم ، واستأصلوا شأفتهم . وفي أولها قدِم شيركوه رسولًا من نور الدين ، فنزل بظاهر دمشق في ألف فارس ، فوقع الاستيحاش منه ، ولم يخرجوا لتلقّيه ، وترددت المراسلات ، ولم يتفق حال ، ثم أقبل نور الدين في جيوشه ، فنزل ببيت الآبار وزحف على البلد ، فوقعت مناوشة ، ثم زحف يومًا آخر ، فلما كان في عاشر صفر باكَر الزّحف ، وتهيأ لصدق الحرب ، وبرز إليه عسكر البلد ، ووقع الطِّراد ، وحملوا من الجهة الشرقية من عدة أماكن ، فاندفعوا بين أيديهم ، حتى قربوا من سور باب كيسان والدباغة ، وليس على السور آدمي ، لسوء تدبير صاحب دمشق ، غير نفرٍ يسير من الأتراك لا يعوَّل عليهم ، فتسرّع بعض الرجالة إلى السور ، وعليه يهودية ، فأرسلت إليه حبلًا ، فصعد فيه ، وحصل على السور ، ولم يدرِ به أحد ، وتبعه من تبعه ، ونصبوا علمًا وصاحوا : نور الدين يا منصور ، فامتنع الجند والرعية من الممانعة محبة في نور الدين ، وبادر بعض قطّاعي الخشب بفأسه ، فكسر قفل الباب الشرقي ، فدخل العسكر ، وفتح باب توما ، ودخل الجند ، ثم دخل نور الدين ، وسُرَّ الخلق ، ولما أحس مجير الدين بالغلبة ، انهزم إلى القلعة ، وطلب الأمان على نفسه وماله ، ثم خرج إلى نور الدين ، فطيّب قلبه ، وتسرّع الغوغاء إلى سوق علي وغيره ، فنهبوا ، فنودي في البلد بالأمان ، وأخرج مجير الدين ذخائره وأمواله من القلعة إلى الأتابكية دار جدّه ، ثم تقدّم إليه بعد أيام بالمسير إلى حمص في خواصّه ، وكتب له المنشور بها .

وقد كان مجاهد الدين بُزان قد أُطلق يوم الفتح من الاعتقال ، وأُعيد إلى داره . ووصل الرئيس مؤيَّد الدين المسيّب ابن الصوفي إلى دمشق متمرضًا ، فمات ودُفن في داره ، وفرح الناس بهلاكه .

موقع حَـدِيث