أحمد بن محمد بن الحسين
أحمد بن محمد بن الحسين ، القاضي أبو بكر الأرجاني ، ناصح الدين ، قاضي تُستَر ، وصاحب الديوان المشهور . كان شاعر عصره ، مدح أمير المؤمنين المسترشد بالله ، وسمع من أبي بكر بن ماجه الأبهري حديث لُوَين . روى عنه جماعة منهم : أبو بكر محمد بن القاسم بن المظفّر ابن الشهرزوري ، وعبد الرحيم بن أحمد ابن الإخوة ، وابن الخشّاب النحوي ، ومنوجهر بن تُركانشاه ، ويحيى بن زبادة الكاتب .
وأصله شيرازي ، وكان في عنفوان شبابه بالمدرسة النظامية بأصبهان ، وناب في القضاء بعسكر مُكرَم ، والذي جُمِع من شعره لا يكوّن العُشر منه . قال العِماد في الخريدة : لما وافيت عسكر مُكرَم لقيتُ بها ولده رئيس الدين محمدًا ، فأعارني ضبارة كبيرة من شعر والده ، منبتُ شجرته أرّجان ، ومواطن أسرته تُستَر ، وعسكر مُكرَم من خوزستان ، وهو وإن كان في العجم مولده ، فمن العرب محتِده ، سلفه القديم من الأنصار ، لم يسمح بنظيره سالف الأعصار ، أوسيّ الأسّ خزرَجيُّه ، قسيُّ النطق إياديّه ، فارسي القلم ، وفارس ميدانه ، وسلمان برهانه ، من أبناء فارس ، الذين نالوا العلم المعلّق بالثريا ، جمع بين العذوبة والطيب في الري والريّا . وللأرجاني : أنا أشعر الفقهاء غير مُدافعٍ في العصر ، أو أنا أفقهُ الشعراءِ شِعري إذا ما قلتُ دوّنه الورى بالطبع لا بتكلّفِ الإلقاءِ كالصوت في ظلل الجبال إذا علا للسمع هاج تجاوبَ الأصداء وله : شاور سواكَ إذا نابتكَ نائبةٌ يومًا ، وإن كنتَ من أهل المشوراتِ فالعينُ تنظر منها ما دنا ونأى ولا ترى نفسَها إلا بمرآةِ وله : ولما بلوتُ الناسَ أطلبُ عندهم أخا ثقةٍ عند اعتراض الشدائدِ تطلّعتُ في حالَي رخاءٍ وشدةٍ وناديتُ في الأحياء : هل من مُساعد ؟ فلم أرَ فيما ساءني غير شامتٍ ولم أرَ فيما سرّني غيرَ حاسدِ تمُتّعتُما يا ناظريّ بنظرة وأورتما قلبي أمرَّ المواردِ أعينيّ كُفّا عن فؤادي فإنه من البغي سعيُ اثنين في قتل واحدِ وله يمدح خطير المُلك محمد بن الحسين وزير السلطان محمد السلجوقي : طلعتْ نجومُ الدين فوق الفرقَد بمحمدٍ ، ومحمدٍ ، ومحمدِ بنبيُّنا الهادي وسلطان الورى ووزيره المولى الكريم المُحتدِ سعدان للأفلاك يكتنفانها والدين يكنفُه ثلاثة أسعدِ بكتاب ذا ، وبسيف ذا ، وبرأي ذا نُظمتْ أمورُ الدين بعد تبدُّدِ فالمعجزاتُ لمُقتد ، والباتراتُ لمُعتَد ، والمكرُماتُ لمُجتدي لله درُّ زمانه من ماجدٍ ملك أغرّ من المكارم أصيدِ وله : ما جُبتُ آفاقَ البلاد مطوِّفًا إلا وأنتم في الورى متطلّبي سعيي إليكم في الحقيقة ، والذي تجدون عنكم فهو سعيُ الدهرِ بي أنحوكمُ ويردُّ وجهي القهقرى عنكم فسَيري مثلُ سير الكوكبِ فالقصدُ نحو المشرقِ الأقصى لكم والسير رأيَ العين نحو المغربِ وله : رثى لي وقد ساويتُه في نُحوله خيالي لما لم يكن لي راحمُ فدلّس بي حتى طرقتُ مكانَه وأوهمتُ إلفي أنه بي حالمُ وبتنا ولم يشعر بنا الناسُ ليلةً أنا ساهرٌ في جفنه ، وهو نائم وقد ناب عن القاضي ناصر الدين عبد القاهر بن محمد بتُستر ، وعسكر مُكرَم ، فقال : ومن النوائب أنني في مثل هذا الشغل نائبْ ومن العجائب أن لي صبرًا على هذي العجائب وله : أحبُّ المرء ظاهرُه جميلٌ لصاحبه وباطنُه سليمُ مودتُه تدومُ لكل هولٍ وهل كلُ مودتُه تدوم ؟ وله : ولقد دُفِعتُ إلى الهموم تنوبني منها ثلاثُ شدائد ، جُمعنَ لي أسفٌ على ماضي الزمان ، وحيرةٌ في الحال منه ، وخشيةُ المستقبل ما إن وصلتُ إلى زمان آخرٍ إلا بكيتُ على الزمان الأول وله : حيث انتهيتَ من الهجران لي فقفْ ومن وراء دمي بيضُ الظبا فخفِ يا عابثًا بِعداتِ الوصل يُخلفُها حتى إذا جاء ميعادُ الفراق يَفي اعدِلْ كفاتن قدٍ منك معتدِلٍ واعطف كمائل غصن منك منعطفِ ويا عذولي ومن يُصغي إلى عذلي إذا رنا أحورُ العينين لا تقفِ تلوّم قلبي أن أصماه وناظره فيمَ اعتراضُك بين السهم والهدفِ سلوا عقائِل هذا الحي أي دمٍ للأعين النجل عند الأعيُن الذُرُفِ يستوصفون لساني عن محبتهم وأنت أصدقُ ، يا دمعي ، لهم فصفِ ليست دموعي لنار الشوق مطفئة وكيف ؟ والماءُ بادٍ واللهيبُ خفي لم أنسَ يوم رحيل الحي موقفَنا والعيسُ تطلعُ أولاها على شُرُفِ وفي المحامل تخفى كل آنسةٍ إن ينكشف سجفُها للشمس تنكسفِ تبين عن معصمٍ بالوهم ملتزم منها ، وعن مبسم باللحظ مُرتَشفِ في ذمة الله ذاك الركب إنهم ساروا وفيهم حياةُ المُغرم الدنفِ فإن أعِش بعدهم فردًا فواعجبًا وإن أمتُ هكذا وجدًا فيا أسفي وله من أبيات: قلبي وشعري أبدًا للورى يصبح كل وحماه مُباح ذا لملوك العصر فيما أرى نهب ، وهذا لوجوه الملاح الحُسن للحسناء مستجمع والحظ لا متع عند القباح وله : قفْ يا خيالُ وإن تساوينا ضنا أنا منك أولى بالزيارة مُهنا نافستُ طيفي في خيالي ليلةً في أن يزورَ العامرية أيُّنا فسريتُ أعتجرُ الظلامَ إلى الحمى ولقد عناني من أميمة ما عنا وعقلتُ راحلتي بفضل زمامِها لما رأيتُ خيامهم بالمُنحنى لما طرقتُ الحيَّ قالت خيفةً لا أنت إن علم الغيورُ ولا أنا فدنوت طوع مقالها متخفيًا ورأيت خطبَ القوم عندي أهونا حتى رفعت عن المليحة سجفها يا صاحبي فلو أن عينك بيننا سترت مُحيّاها مخافةَ فتنتي بنقابها عني ، فكانت أفتنا وتجرّدتْ أعطافُها من زينة عمدًا ، فكان لها التجرد أزينا وتكاملت حسنا ولو قرنت لنا بالحسن إحسانا لكانت أحسنا قسمًا بما زار الحجيجُ وما سعوا زُمرًا ، وما نحروا على وادي منى ما اعتاد قلبي ذكرَ من سكن الحِمى إلا استطار وملّ صدري مسكنا وله : لو كنتُ أجهلُ ما علمتُ ، لسرّني جهلي ، كما قد ساءني ما أعلمُ كالصّعو يرتع في الرياض ، وإنما حُبس الهزارُ لأنه يترنمُ وله : سهامُ نواظرٍ تُصمي الرمايا وهنّ من الحواجب في حنايا ومن عجب سهامٌ لم تفارقْ حناياها وقد جرحتْ حشايا نهيتكُ أن تناضِلها فإني رميتُ فلم يُصب قلبي سوايا جعلتُ طليعتي طرفي سفاها فدلّ على مقاتلي الخفايا وهل يُحمى حريمٌ من عدوٍ إذا ما الجيشُ خانته الربايا هززن من القدود لنا رماحًا فخلّينا القلوبَ لها ردايا ولي نفَسٌ إذا ما امتدّ شوقًا أطار القلبَ من حُرَقٍ شظايا ومحتكمٍ على العشاق جورًا وأين من الدمى عدلُ القضايا يُريك بوجنتيه الوردَ غضًّا ونورَ الأقحوان من الثنايا تأمل منه تحت الصدغ خالا لتعلم كم خبايا في الزوايا ولا تَلمِ المتيّم في هواه فعذلُ العاشقين من الخطايا توفي الأرجاني بُتستَر في شهر ربيع الأول ، وأرّجان : بليدة من كور الأهواز ، مشددة الراء ، ضبطها صاحب الصّحاح ، واستعملها المتنبي مخفّفة في قوله : أرَجانَ أيتها الجيادُ ، فإنهُ عزمي الذي يذَرُ الوشيجَ مكسّرا