عيسى ابن الظافر إسماعيل ابن الحافظ عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر بالله العبيدي
عيسى ابن الظافر إسماعيل ابن الحافظ عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر بالله العبيدي ، الفائز بنصر الله أبو القاسم ، خليفة مصر . بويع بالقاهرة يوم قتل والده وله خمس سنين ، وقيل : بل سنتان ، فحمله الوزير عباس على كتفه ، ووقف في صحن الدار به ، مظهرًا الحزن والكآبة ، وأمر أن يدخل الأمراء ، فدخلوا ، فقال لهم : هذا ولد مولاكم ، وقد قتل عماه مولاكم ، وقد قتلتهما كما ترون به ، والواجب إخلاص الطاعة لهذا الطفل . فقالوا كلهم : سمعنا وأطعنا .
وضجوا ضجة واحدة بذلك ، ففزع الطفل ، وبال على كتف عباس من الفزع . وسموه الفائز ، وسيروه إلى أمه ، واختل عقله من تلك الصيحة فيما قيل ، فصار يتحرك في بعض الأوقات ويصرع . ولم تبق على يد عباس يد ، ودانت له الممالك .
وأما أهل القصر فإنهم اطلعوا على باطن القضية ، فأخذوا في إعمال الحيلة في قتل عباس وابنه ، فكاتبوا طلائع بن رزيك الأرمني والي منية بني خصيب ، وكان معروفًا بالشجاعة والرأي ، فسألوه النصرة ، وقطعوا شعور النسوان والأولاد ، وسيروها في طي الكتاب ، وسودوا الكتاب . فلما وقف عليه اطلع من حوله من الجند عليه ، وأظهر الحزن ، ولبس السواد ، واستمال عرب الصعيد ، وحشد وجمع . ثم كاتب أمراء القاهرة في الطلب بدم الظافر ، فوعدوه بما يحب ، فسار إلى القاهرة ، فلما قرب خرج إليه الأمراء ، والجند ، والسودان ، وبقي عباس في نفرٍ يسير ، فهرب هو وابنه وغلمانه والأمير أسامة بن منقذ .
وقيل : هو الذي أشار عليهما بقتل الظافر ، والعلم لله ؛ فنقل ابن الأثير قال : اتفق أن أسامة بن منقذ قدم مصر ، فاتصل بعباس ، وحسن له قتل زوج أمه العادل علي بن السلار فقتله ، وولاه الظافر الوزارة ، فاستبد بالأمر ، وتم له ذلك . وعلم الأمراء أن ذلك من فعل ابن منقذ ، فعزموا على قتله ، فخلا بعباس وقال له : كيف تصبر على ما أسمع من قبيح القول من الناس : أن الظافر يفعل بابنك نصر ؟ وكان من أجمل الناس ، وكان ملازمًا للظافر . فانزعج لذلك فقال : كيف الحيلة ؟ قال : اقتله فيذهب عنك العار .
فاتفق مع ابنه على قتله . وقيل : إن الظافر أقطع نصر بن عباس قليوب كلها ، فدخل وقال : أقطعني مولانا قليوب . فقال ابن منقذ : ما هي في مهرك بكثير .
فجرى ما ذكرناه . وهربوا فقصدوا الشام على ناحية أيلة في ربيع الأول سنة تسع وأربعين . وملك الصالح طلائع بن رزيك ديار مصر من غير قتال ، وأتى إلى دار عباس المعروفة بدار الوزير المأمون ابن البطائحي التي هي اليوم المدرسة السيوفية الحنفية ، فاستحضر الخادم الصغير الذي كان مع الظافر لما نزل سرًا ، وسأله عن الموضع الذي دفن فيه الظافر ، فعرفه به ، فقلع البلاطة التي كانت عليه ، وأخرج الظافر ومن معه من المقتولين ، وحملوا ، وقطعت عليهم الشعور ، وناحوا عليهم بمصر ، ومشى الأمراء قدام الجنازة إلى تربة آبائه ، وتكفل الصالح بالصغير ودبر أحواله .
وأما عباس ومن معه ، فإن أخت الظافر كاتبت إفرنج عسقلان الذين استولوا عليها من مديدة يسيرة ، وشرطت لهم مالًا جزيلًا إذا خرجوا عليه وأخذوه . فخرجوا عليه ، فواقعهم ، فقتل عباس ، وأخذت أمواله ، وهرب ابن منقذ في طائفة إلى الشام . وأرسلت الفرنج نصر بن عباس إلى مصر في قفص حديد .
فلما وصل تسلم رسولهم المال ، وذلك في ربيع الأول سنة خمسين . ثم قطعت يد نصر ، وضرب ضربًا مهلكًا وقرض جسمه بالمقاريض ، ثم صلب على باب زويلة حيًا ، ثم مات . وبقي مصلوبًا إلى يوم عاشوراء سنة إحدى وخمسين ، فأحرقت عظامه .
وهلك الفائز في رجب سنة خمس ، وهو ابن عشر سنين أو نحوها . وقيل : إن الملك الصالح ابن رزيك بعث إلى الفرنج يطلب منهم نصر بن عباس ، وبذل لهم أموالًا ، فلما وصل سلمه الملك الصالح إلى نساء الظافر ، فأقمن يضربنه بالقباقيب واللوالك أيامًا ، وقطعن لحمه ، وأطعمنه إياه إلى أن مات ، ثم صلب . ولما مات الفائز بالله بايعوا العاضد لدين الله أبا محمد عبد الله بن يوسف ابن الحافظ عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر العبيدي ، ابن عم الفائز ، وأجلسه الملك الصالح طلائع بن رزيك على سرير الخلافة ، وزوجه بابنته .
ثم استعمل الصالح على بلد الصعيد شاور البدوي الذي وزر .