محمد بن يحيى بن علي بن مسلم بن موسى بن عمران
محمد بن يحيى بن علي بن مسلم بن موسى بن عمران ، القرشي ، اليمني ، الزبيدي ، الواعظ ، أبو عبد الله . ولد في المحرم سنة ستين وأربع مائة ، وقدم دمشق في حدود سنة ست وخمس مائة فوعظ وأخذ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فلم يحتمل طغتكين أتابك له ذلك ، وأخرجه عن دمشق ، فذهب إلى العراق ، ودخلها سنة تسع وخمس مائة ، ووعظ . وكان له معرفة بالنحو والأدب .
وكان صبورًا على الفقر ، متعففًا . ثم قدم دمشق رسولًا من المسترشد بالله في أمر الباطنية وعاد . وكان حنفي المذهب ، على طريقة السلف في الأصول .
قال أبو الفرج ابن الجوزي : حدثني الوزير ابن هبيرة ، قال : جلست مع الزبيدي من بكرة إلى قريب الظهر ، وهو يلوك شيئًا في فيه ، فسألته ، فقال : لم يكن لي شيء ، فأخذت نواة أتعلل بها !قال ابن الجوزي : وكان يقول الحق وإن كان مرًا ، ولا تأخذه في الله لومة لائم . ولقد حكي أنه دخل على الوزير الزينبي وقد خلعت عليه خلع الوزارة ، والناس يهنئونه بالخلعة ، فقال هو : هذا يوم عزاء لا يوم هناء ، فقيل : لم ؟ فقال : أهنئ على لبس الحرير ؟ ! قال أبو الفرج : وحدثني عبد الرحمن بن عيسى الفقيه ، قال : سمعت محمد بن يحيى الزبيدي ، قال : خرجت إلى المدينة على الوحدة ، فآواني الليل إلى جبل ، فصعدت وناديت : اللهم إني الليلة ضيفك . ثم نزلت فتواريت عند صخرة ، فسمعت مناديًا ينادي : مرحبًا يا ضيف الله .
إنك مع طلوع الشمس تمر بقوم على بئر يأكلون خبزًا وتمرًا ، فإذا دعوك فأجب ، فهذه ضيافتك . فلما كان من الغد سرت ، فلما طلعت الشمس لاحت لي أهداف بئر ، فجئتها ، فوجدت عندها قومًا يأكلون خبزًا وتمرًا ، ودعوني ، فأجبت . وقال ابن السمعاني : كان يعرف النحو معرفة حسنة ، ويعظ ، ويسمع معنا من غير قصد من القاضي أبي بكر الأنصاري ، وغيره .
وكان فنًا عجيبًا . وكان في أيام المسترشد يخضب بالحناء ، ويركب حمارًا مخضوبًا بالحناء ، وكان يجلس ويجتمع عليه العوام ، ثم فتر سوقه . ثم إن الوزير عون الدين ابن هبيرة نفق عليه الزبيدي ورغب فيه .
وسمعت جماعة يحكون عنه أشياء السكوت عنها أولى . ثم قال : وقيل لي : إنه يذهب إلى مذهب السالمية ، ويقول : إن الأموات يأكلون ويشربون وينكحون في قبورهم ، والسارق والشارب للخمر والزاني لا يلام على فعله ؛ لأنه يفعل بقضاء الله وقدره . وسمعت علي بن عبد الملك الأندلسي يقول : زاد الزبيدي في أسماء الله تعالى أسامي ، ويقول : هو المتمم ، والمبهم ، والمظهر ، والزارع .
وقال أبو البركات عبد الوهاب الأنماطي : حمل إلي الزبيدي جزءًا صنفه فذكر فيه أن لكل ميت بيتًا في الجنة وبيتًا في النار ، فإذا دخل الجنة هدم بيته الذي في النار ، وإذا دخل النار هدم بيته الذي في الجنة . قلت : وحفيداه اللذان رويا الصحيح هما الحسن والحسين ابنا المبارك بن محمد . وقال ابن عساكر : قال ولده إسماعيل : كان أبي في كل يوم وليلة من أيام مرضه يقول : الله الله؛ قريبًا من خمسة عشر ألف مرة ، وما زال يقول الله الله حتى طفئ ، توفي في ربيع الآخر .
وقال أحمد بن صالح بن شافع : كان له في علم الأصول وعلم العربية حظ وافر ، وقد صنف كتبًا في فنون العلوم تزيد على مائة مصنف . ولم يضيع شيئًا من عمره . ثم بالغ الجيلي في تعظيمه ، وقال : كان يخضب بالحناء ويعتم متلحيًا دائمًا .
حكيت لي عنه من جهات صحيحة غير كرامة ، منها رؤيته للخضر وجماعة من الأولياء .